مقالات

أصداء فلسطين في إفريقيا: السياسة، والسلاح، والجامعات

دينا رجائي باحثة زميلة
عرض الملف التعريفي

تكشف الانتهاكات المتصاعدة بحق الشعب الفلسطيني عن إشكالية إفريقية معقدة، تظهر في التناقض بين مسارات التضامن والمساءلة من جهة، ومسارات المصالح والضغوط من جهة أخرى، فبينما تقود أطراف إفريقية حراكًا دبلوماسيًا وقانونيًا لمحاسبة الاحتلال وإنفاذ القانون الدولي، تنخرط أطراف أخرى في ترتيبات عسكرية لفرض واقع أمني جديد في غزة ما بعد الحرب، بالتزامن مع تعرض بعض المؤسسات الأكاديمية لتحديات تمويلية بهدف تحييد مواقفها الداعمة لفلسطين. وعليه يستعرض هذا التقرير المشهد الراهن عبر دمج أبعاده السياسية والعسكرية والتعليمية، ليوضح كيف تحولت تداعيات حرب غزة إلى ساحة اختبار حقيقية تعيد تشكيل التحالفات الجيوسياسية والتعليمية في القارة الإفريقية.

أولاً: الحراك الدبلوماسي وحشد الدعم الإفريقي

في إطار السعي الدبلوماسي لمواجهة الانتهاكات المستمرة بحق الفلسطينيين، برز البرلمان الإفريقي كمنصة حيوية لدعم القضية الفلسطينية؛ ففي 27 تموز/يوليو 2026، ألقت حنان جرار، سفيرة فلسطين في جنوب إفريقيا، كلمة خلال افتتاح الدورة التشريعية السابعة بمدينة ميدرند في جنوب إفريقيا، ودعت فيها إلى إنهاء حالة الإفلات من العقاب التي تشجع السياسات الاستيطانية الإسرائيلية، وطالبت بدعم شكوى جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية وتنفيذ الرأي الاستشاري للمحكمة.

ورافقت هذه الدعوات مباحثات بين البرلمانين العربي والإفريقي، أسفرت عن مطالبات بإدراج القضية الفلسطينية بصفة دائمة على جدول أعمال لجنة العلاقات الدولية وتسوية النزاعات في البرلمان الإفريقي. ويمثل البرلمان الإفريقي بوصفه الذراع التشريعية للاتحاد الإفريقي، الذي تتمتع فيه فلسطين بصفة عضو مراقب منذ 2013، منصة مهمة للتنسيق بين الدول الأعضاء بشأن القضايا ذات الأهمية الإقليمية والدولية.

وفي حين تكثف الدبلوماسية جهودها لحشد الدعم القانوني والسياسي لوقف نزيف الحرب، تبرز على الجانب الآخر تحركات موازية ترسم ملامح “اليوم التالي” أمنيًا في غزة بمشاركة أطراف إفريقية تسعى لتعزيز نفوذها ومكتسباتها الدولية.

ثانيًا: الترتيبات العسكرية وملامح “اليوم التالي”

كشفت هيئة الإذاعة الإسرائيلية “كان” عن زيارة مسؤولين عسكريين كبار من أوغندا وبوروندي، يوم 17 آب/ أغسطس 2026، لمركز التنسيق المدني العسكري -بقيادة أميركية- في كريات جات في الأراضي المحتلة عام 1948، وتركزت المباحثات حول مشاركة مئات الجنود الأفارقة في “قوة الاستقرار الدوليّة” المقترحة لتأمين غزة بعد الحرب، وهي مبادرة طرحها “مجلس السلام” التابع للرئيس الأميركي دونالد ترامب، في شباط/فبراير 2026، لتأسيس قوة دولية قوامها ألفا جندي بقيادة أميركية.

وتأتي هذه التطورات عقب موافقة البرلمان الأوغندي في وقت سابق من آب/أغسطس الجاري على نشر القوات. وفي هذا الإطار، تسعى أوغندا لتعزيز حضورها الإقليمي والدولي ودعم طموحها للحصول على مقعد بارز في الأمم المتحدة، بالتزامن مع استمرار تعثر مفاوضات وقف إطلاق النار على خلفية الخلاف حول نزع سلاح حركة حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة.

لا يتوقف تأثير هذه التحالفات والمواقف عند حدود الأروقة السياسية والعسكرية، إذ امتد صداه إلى المؤسسات التعليمية، حيث أصبح التضامن مع غزة أو انتقاد السياسات الإسرائيلية يواجه تحديات أمام الحريات الأكاديمية.

ثالثًا: جامعة كيب تاون في مواجهة سلاح التمويل

كشف رئيس جامعة كيب تاون د. موسى موشابيلا (Mosa Moshabela) في اجتماع لجنة التعليم العالي في برلمان جنوب إفريقيا المنعقد في 10 حزيران/يونيو 2026، عن خسارة الجامعة نحو 250 مليون راند (15.2 مليون دولار أميركي) من تمويلات المانحين، وذلك عقب اعتماد الجامعة قرارين في حزيران/يونيو 2024 يتعلقان بالحرب الإسرائيلية على غزة، الأول: دعوة إلى وقف إطلاق النار وتوفير المساعدات الإنسانية، والثاني: منع أكاديميي الجامعة من التعاون مع مجموعات بحثية مرتبطة بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، مع التأكيد على أنه لا يستهدف العلماء الإسرائيليين أو اليهود على أساس هويتهم، وإنما جاء رفضًا للتواطؤ مع العمليات العسكرية، كما رفضت الجامعة تبنّي تعريف معاداة السامية الصادر عن التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة (IHRA)، وتبنت عوضًا عنه إعلان القدس الذي يفصل بين معاداة السامية وانتقاد سياسات إسرائيل.

وتكمن أهمية إعادة طرح قضية خسارة جامعة كيب تاون للتمويل في أنها نقلت الموضوع من تقارير إعلامية وملفات قضائية إلى تأكيد رسمي علني من رئيس الجامعة نفسه أمام البرلمان، وإقراره بحجم الخسارة وتداعياتها المالية التي لا تزال قائمة بعد عامين، خاصة على الطلاب السود الفقراء الذين يعتمدون على هذه المنح في التعليم، في بلد يعاني من أعلى معدلات اللامساواة عالميًا.

يتضح مما سلف أنّ مآلات الحرب على غزة قد خلقت مشهدًا إفريقيًا معقدًا تتصادم فيه المبادئ الإنسانية والقانونية مع المصالح الإستراتيجية، فبينما يسعى الحراك الدبلوماسي والقانوني لإرساء العدالة، تكشف الترتيبات العسكرية والضغوط التمويلية عن حجم التحديات التي تفرضها الهيمنة، لتؤكد هذه التناقضات أن القضية الفلسطينية لا تُعتبر أزمة جيوسياسية فقط، وإنما اختبارًا حقيقيًا لاستقلالية القرار السياسي والأكاديمي، ومؤشرًا على تحولات عميقة في طبيعة أدوات الضغط والنفوذ في النظام العالمي الحالي.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

دينا رجائي، «أصداء فلسطين في إفريقيا: السياسة، والسلاح، والجامعات»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1001/