مقالات

جنوب إفريقيا مع فلسطين: دور “قارع الجرس” ومثابرة دولية ومحلية

دينا رجائي باحثة زميلة
عرض الملف التعريفي

هناك اعتقاد عام وفرضية ذات مصداقية بأن استمرار حرب الإبادة على قطاع غزة لفترة طويلة، وما يصاحبه من تراجع زخم الاهتمام الدولي بها، قد يؤديان إلى تراجع التضامن مع الحق الفلسطيني ومناهضة السياسات الإسرائيلية. ولكن تبرز جنوب إفريقيا كما لو أنها قررت تولي دور “قارع الجرس” في الساحة الدولية، وأن تكون إحدى أبرز ساحات التحركات الشعبية عالمياً؛ ففي نهاية آب/أغسطس الفائت قدمت جنوب إفريقيا ملفاً جديداً إلى محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل، ثم، في 12 أيلول/سبتمبر الفائت، برز موقفها بشأن فلسطين داخل قمة بريكس التي أصدرت بيان نيودلهي، وبالتالي ضمن إطار حركة الجنوب العالمي. وفي داخل البلاد نفسها تستمر فعاليات مقاطعة إسرائيل وتتسع، إذ تتحرك مجموعات مختلفة في أكثر من اتجاه، أحدها تحت مظلة “التحالف العالمي من أجل فلسطين”.

من ملف قضائي إلى آلية إبقاء القضية حيّة

في 25 آب/أغسطس 2026 قدمت جنوب إفريقيا ملفاً جديداً إلى محكمة العدل الدولية، ركز على عدم امتثال إسرائيل لأوامر التدابير المؤقتة التي سبق أن أصدرتها المحكمة في كانون الثاني/ يناير وآذار/ مارس وأيار/ مايو 2024، والتي تضمنت، مجتمعةً، مجموعة من التدابير، من بينها منع ارتكاب أفعال الإبادة الجماعية، ومنع التحريض المباشر على الإبادة الجماعية والمعاقبة عليه، وضمان توفير الإمدادات الإنسانية من دون عوائق، ومنع إتلاف الأدلة المتعلقة بادعاءات ارتكاب أفعال الإبادة الجماعية وضمان الحفاظ عليها. وسبق لجنوب إفريقيا أن قدمت إلى مجلس الأمن في الأمم المتحدة ملفات ورسائل تتضمن أدلة، ودعت دول العالم إلى التحرك لردع إسرائيل عن الاستمرار في عملية الإبادة الجماعية، ولمعاقبتها، ولضمان التزامها بالتدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية.

لا يشير البيان الرسمي إلى أن تقديم هذا الملف جاء استجابةً إلى طلب جديد من المحكمة، لكن أهمية هذه الخطوة تكمن في استمرار المتابعة وعدم الاكتفاء برفع الدعوى، بما يمنع تحويل الحرب الإسرائيلية إلى حدث عابر يتراجع من جدول الأعمال الدولي كلما ظهرت أزمة جديدة أو تبدلت أولويات القوى الكبرى. وهي تقدم، من جهة ثانية، للدول والمنظمات الحقوقية إطاراً قانونياً لتوثيق الانتهاكات، وتكشف حدود النظام الدولي كذلك عبر إثارة سؤال ماذا تعني أوامر المحكمة إذا لم تُنفذ؟ وما قيمة القواعد إذا كانت تطبق بانتقائية؟

بريكس: نقل فلسطين إلى قلب الجنوب العالمي

انتقلت جنوب إفريقيا من المنصة القانونية إلى السياسية، خاصة عبر مؤسسات الجنوب العالمي، فقد انعقدت يومي 12 و13 أيلول/ سبتمبر 2026 في نيودلهي القمة الثامنة عشرة لمجموعة بريكس، وأدرج الرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوزا قضية فلسطين ضمن حجته بشأن ضرورة تطبيق القانون الدولي بصورة غير انتقائية، مؤكداً أن القانون الدولي لا يمكن أن يُطبق بانتقائية، ومحذراً من أن تجاهل الميثاق والانتهاكات يضعف سلطة الأمم المتحدة والنظام العالمي. وانسجم هذا الموقف مع ما ورد في البيان الختامي للقمة من تأكيد على إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، ورفض التهجير القسري للفلسطينيين، والدعوة إلى تمثيل كافٍ لفلسطين في المنظمات الدولية ذات الصلة.

هنا استثمرت جنوب إفريقيا عضويتها في بريكس بوصفها منصة للتنسيق بين دول الجنوب العالمي، وللحد من بقاء القضية الفلسطينية رهينة الرأي السياسي الغربي وحده، ولدفعها لتكون ضمن أجندة تعاون سياسي بين دول تمتلك، بدرجات مختلفة، رغبة في إعادة توزيع النفوذ الدولي. كما توجه رسالة أوسع إلى القوى الكبرى التي تطالب باحترام القانون في ملفات، وتتجاهله في ملفات أخرى.

عندما يصبح التاريخ أداة ضغط حاضرة

يمنح المجتمع المدني الجنوب إفريقي للتحرك الرسمي عمقاً لا تستطيع الدولة وحدها توفيره، حيث شهدت البلاد دعوات شعبية تطالب بإنهاء العلاقات مع إسرائيل وفرض العقوبات عليها، وأبرزها دعوة نكوسي زويليفيليل مانديلا، حفيد نيلسون مانديلا، إلى تعزيز التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني بحلول 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 تحت مظلة “التحالف العالمي من أجل فلسطين“.

وفي سياق متصل، تحدث بعض النشطاء البيض الجنوب إفريقيين عما وصفوه بـ “صدمة وعي”، حيث وجهوا دعوات عالمية لأصحاب الأعمال والشركات لرفض تقديم الخدمات للإسرائيليين، وقال هؤلاء النشطاء إن العقوبات والمقاطعة التي واجهوها كبيض خارج جنوب إفريقيا خلال فترة حكم الفصل العنصري كانت بمثابة صدمة إيجابية أيقظت وعيهم، لأنهم أدركوا أن ما كانت تمارسه حكومتهم حينها هو جرائم بشعة ضد الإنسانية، وهو ما قالوا إنه يدفعهم اليوم إلى اعتبار سلاح المقاطعة المستمرة أداة فعالة في إيقاظ الوعي الجمعي العالمي.

وامتداداً إلى الأوساط الأكاديمية، قادت مجموعة Olive Tree Amplifiers الطلابية الحقوقية حراكاً طلابياً في جامعة North-West، حيث أطلقت عريضة إلكترونية نجحت في جمع مئات التوقيعات خلال الأسبوع الأخير من آب/ أغسطس 2026، لمطالبة إدارة الجامعة بإنهاء سياسة “الحياد” تجاه الحرب على غزة، واعتبر أصحاب العريضة أن الحياد في ظل هذه الظروف يرقى إلى مستوى التواطؤ.

وشدّدت العريضة بوضوح على ضرورة تعليق كافة أشكال التعاون الأكاديمي والمؤسسي مع الجامعات الإسرائيلية التي يُشتبه في ارتباطها المباشر أو غير المباشر بانتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة. ويستند هذا الحراك إلى ذاكرة تاريخية، فقد لعب التضامن الأكاديمي الدولي دوراً في الضغط على نظام الفصل العنصري، لكن استدعاء الماضي لا يعني بالضرورة أن السياقين متطابقان، فما يفعله النشطاء هو توظيف التجربة التاريخية بوصفها حجة سياسية: فإذا كانت المقاطعة الأكاديمية قد ساهمت في الضغط على نظام الفصل العنصري، فلماذا لا يُستخدم المنطق نفسه عندما يتعلق الأمر بفلسطين؟

ومجملاً، يحضر التاريخ هنا عبر رمزية مانديلا، وتجارب بعض النشطاء البيض مع المقاطعة، واستدعاء الحراك الجامعي لتجربة المقاطعة الأكاديمية. ومع ذلك، تظل هذه الدعوات أدوات سياسية ذات آثار متفاوتة، ويعتمد تأثيرها على مدى اتساع المشاركة واستمراريتها، وقدرتها على الضغط على المؤسسات المتورطة، ولا يُنتظر أن تحقق هذه الدعوات نتائج فورية؛ فهي تحوّل القضية الفلسطينية إلى نقاش يومي حول مسؤولية الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين.

سرّ الاختلاف هو التراكم لا الضجيج

لا يعني تعدد المسارات أن جنوب إفريقيا تمتلك قدرة حاسمة على إحداث تغيير فوري في السياسات، فتأثير أوامر محكمة العدل الدولية، رغم إلزاميتها القانونية، يتأثر بمدى الامتثال لها وبفاعلية آليات الضغط والتنفيذ الدولية، وبريكس تظل مجموعة متنوعة المصالح والمواقف، والمقاطعة الأكاديمية والشعبية تواجه مقاومة قانونية وسياسية واقتصادية. فتقييم الفاعلية بمعيار التغيير الفوري وحده يقلل من طبيعة المعركة التي تخوضها جنوب إفريقيا؛ فالتأثير تراكمي وقد لا يظهر في شكل قرار واحد، لكنه يغير تدريجياً البيئة التي تتحرك فيها الحكومات والجامعات والشركات.

في المقابل، تظل هناك مخاطر محتملة؛ فقد تثير بعض المبادرات الشعبية، ولا سيما تلك التي تستهدف الأفراد على أساس جنسيتهم أو هويتهم، إشكالات تتعلق بالتمييز وبالخلط بين نقد سياسات الدولة واستهداف الأفراد. كما أن اعتماد الخطاب الجنوب إفريقي على الذاكرة التاريخية، رغم قوته الرمزية، قد يفقد تأثيره إذا تحول إلى تشبيه جاهز لا يراعي اختلاف السياقات. لذلك، تتوقف استدامة هذا الدور على قدرة جنوب إفريقيا على الجمع بين الحزم الأخلاقي والدقة القانونية ومراعاة السياق السياسي، وكلما حافظت على هذا التوازن، زادت قدرتها على تحويل التضامن إلى مساءلة قابلة للتراكم.

وهذا ما يجعل الدور الجنوب إفريقي مختلفاً عن التضامن الموسمي الذي يرتفع مع التصعيد ثم يتراجع مع انحسار التغطية الإعلامية؛ فهو محاولة لبناء حضور دائم للقضية، ولا تُقاس نتائجه فقط بقرار فوري أو عقوبة مباشرة، بل بقدرة التحرك على رفع كلفة التجاهل وإبقاء فلسطين داخل النقاش الدولي.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

دينا رجائي، «جنوب إفريقيا مع فلسطين: دور “قارع الجرس” ومثابرة دولية ومحلية»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1090/