مقالات

الموقف البريطاني تجاه فلسطين: دوافع التحول وحدوده

شهدت السياسة البريطانية تحولاً ملحوظاً تجاه القضية الفلسطينية منذ تولي حزب العمال السلطة في تموز/ يوليو 2024، أي بعد نحو 9 أشهر من شنّ الاحتلال الإسرائيلي حرب الإبادة على قطاع غزة. تمثل ذلك التحول في قرار تعليق بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وزيادة حدّة الانتقادات تجاه الاستيطان، وصولاً إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية في أيلول/ سبتمبر 2025.

تستوجب هذه الخطوات قراءة في طبيعة تحول الموقف البريطاني، ورصد ما إذا كان في طور الانتقال نحو مقاربة بريطانية مختلفة تجاه القضية الفلسطينية، أم أنه مجرد إعادة تموضع، استجابةً لتغيرات سياسية راهنة؟ لا سيما أن بريطانيا متمسكة بعلاقتها الاستراتيجية مع إسرائيل، من دون وجود مؤشرات على تغيير جذري.

يُعد تقييد تصدير السلاح أحد أبرز مظاهر التحول في الموقف البريطاني، فعلى الرغم من مراجعة حكومة المحافظين لمسألة تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل خلال حرب الإبادة على غزة، إلا أنها لم تتخذ قراراً بتعليقها سواء كلياً أو جزئياً.

وتبدل هذا الموقف بعد تولي حكومة حزب العمال السلطة واتخاذ قرار تعليق بعض تراخيص تصدير الأسلحة، وذلك بعد مراجعة حكومية خلصت إلى وجود خطر واضح من أن بعض الصادرات العسكرية البريطانية قد تستخدم في ارتكاب أو تسهيل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني في غزة. ومع ذلك، تم تعليق 29 ترخيصاً فقط من أصل 350 ترخيص، بتاريخ 2 أيلول/ سبتمبر 2024، في حين استمرت تراخيص أخرى بعدما قدرت الحكومة أنها لا تتعلّق بالاستخدام العسكري في الحرب على غزة، إلى جانب استثناءات مرتبطة ببرامج واعتبارات الأمن الدولي. كما أظهرت بيانات حكومية نشرت بتاريخ 20 نيسان/ أبريل 2026 أن 6 تراخيص إضافية تم تعليقها أو تعديلها لاحقاً مع ظهور معلومات إضافية. وشملت تلك التراخيص تعليق تصدير مكوّنات الطائرات المقاتلة، قطع لطائرات F-16، مكونات المروحيات، قطع غيار الطائرات المسيّرة، أنظمة ومعدات بحرية، معدات الاستهداف وتحديد الأهداف المستخدمة في العمليات العسكرية.

تتابعت قرارات الحكومة البريطانية لتشمل فرض عقوبات على ثلاث بؤر استيطانية، وأربع منظمات تدعم المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية بتاريخ 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، تمثلت في فرض قيود مالية على البؤر والمنظمات المستهدفة بسبب دعمها أو تحريضها أو تمويلها للعنف ضد الفلسطينيين. كما كانت قد فرضت قيوداً مالية وقيود سفر على أربعة من المستوطنين بتاريخ 12 شباط/ فبراير 2024. وفي 8 أيلول/ سبتمبر 2026، أعلنت بريطانيا عزمها فرض قيود على التجارة في السلع القادمة من المستوطنات في بيان مشترك مع دول أخرى. كما يعد قرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية من أهم الخطوات التي اتخذتها الحكومة، وأعلنت عنه رسمياً في 21 أيلول/ سبتمبر 2025.

على الرغم من التحولات التي شهدها الموقف البريطاني تجاه فلسطين، فإنها لم تصل إلى حد التخلّي عن العلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل. فالاعتراف بدولة فلسطين، وتعليق بعض تراخيص تصدير السلاح، وتشديد انتقاداتها للاستيطان، لا تعني تغييراً جذرياً في محددات سياستها الخارجية، إذ ما تزال الحكومة البريطانية تؤكد التزامها بأمن إسرائيل، والمحافظة على المصالح السياسية والأمنية البريطانية.

يظهر هذا التباين بوضوح في ملف صادرات السلاح، فقرار تعليق محدود لتصدير السلاح لم يتحول إلى تعليق شامل للتعاون العسكري. كما أن الاعتراف بدولة فلسطين، رغم أهميته الدبلوماسية، فإنه لا يترتب عليه بذاته ضغط عملي مباشر على السياسة الإسرائيلية. وبالتالي، فإن تقييم التحول البريطاني يقتضي التمييز بين القرارات الرمزية والنتائج العملية للقرارات المتخذة.

لا تقتصر حدود التحول البريطاني على طبيعة الإجراءات المتخذة ونتائجها العملية، بل تمتد أيضاً إلى كيفية إدارة تداعياتها في العلاقة مع إسرائيل، لا سيما أن العلاقات بين البلدين تشمل مجالات استراتيجية عديدة، كالتعاون الاقتصادي والأمني والدبلوماسي. وقد تجلّت إحدى تداعيات هذا التحول في التطورات التي شهدتها العلاقات البريطانية الإسرائيلية في تشرين الأول/ أكتوبر 2026، حين أعلنت إسرائيل إنهاء عمل القنصلية البريطانية العامة في القدس الشرقية بصفتها قنصلية، مع مغادرة القنصل العام وعدد من الدبلوماسيين، والسماح ببقاء فريق محدود داخل المبنى.

جاءت هذه الخطوة في سياق التوتر بشأن الإجراءات البريطانية المتعلقة بالمستوطنات. وفي المقابل، أعادت بريطانيا تنظيم وجودها الدبلوماسي تحت مسمى “بعثة المملكة المتحدة في القدس”، حيث أكدت بريطانيا استمرار تقديم خدماتها القنصلية، وأعلنت أنها لن تتخذ إجراءً بالمثل ما دامت المحادثات مستمرة وذات مصداقية.

ونشرت الحكومة البريطانية في بيان رسمي: “موقفنا واضح بأننا لا نقبل بأن لحكومة إسرائيل الحق القانوني بإغلاق القنصلية العامة البريطانية في القدس، الموجودة هناك منذ قرابة 200 عام. والحكومة البريطانية تؤكد على موقفها الراسخ بأن القدس الشرقية أرض محتلة”.

وبحسب بيان صادر عن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، توصل الجانبان إلى تفاهمات تقضي بإنهاء عمل القنصلية ومغادرة القنصل العام وعدد من الدبلوماسيين، مقابل السماح لفريق من 7 دبلوماسيين بالعمل داخل المبنى بصلاحيات محدودة. وبشأن تبعات ذلك القرار قال ساعر: “اتفقنا على استمرار الحوار بين الحكومتين، والذي سيمكن كلا الجانبين من خلاله طرح القضايا المهمة بالنسبة لهما. ووفقاً للتفاهمات التي توصلنا إليها، لن يتم اتخاذ أي إجراءات ضد إسرائيل نتيجة لتنفيذ القرارات”.

وبخصوص الموقف البريطاني من هذه الأزمة، فقد صرّح وزير الخارجية إد ميليباند: “لن نتخذ إجراءً بالمثل طالما استمرت تلك المحادثات وكانت تتسم بالمصداقية. وإن المملكة المتحدة متمسكة بثبات بالإجراءات التي اتخذناها يوم 8 أيلول/ سبتمبر، بالتنسيق مع المجتمع الدولي، دعمًا لحل الدولتين في سعينا إلى إحلال السلام والأمن للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني”.

بناءً على ذلك، يبدو أن الموقف البريطاني يشهد تغيراً ملموساً، لكن مدى تحوله الاستراتيجي يظل مرتبطاً باستمرارية هذه الإجراءات، واتساع نطاقها، ومدى استعداد بريطانيا لتحمل كلفتها في علاقتها مع إسرائيل. فالمعيار الحاسم ليس الاعتراف السياسي بفلسطين أو إعلان العقوبات فحسب، بل نطاق تنفيذها واستعداد بريطانيا لتحمل كلفة استمرارها.

كما يعكس التحول في الموقف البريطاني محاولةً لإعادة صياغة أدوات سياستها الخارجية في سياق ضغوط سياسية داخلية ودولية، واتساع الحراك الشعبي المؤيد لفلسطين، ووجود توجه معلن داخل حزب العمال نحو إعادة ضبط السياسة البريطانية تجاه القضية الفلسطينية، إلى جانب التزام بريطانيا بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

من ناحية ثانية، انتقدت منظمات حقوقية دولية، بينها منظمة العفو الدولية وHuman Rights Watch، استمرار صادرات مكونات طائرات F-35، وتدخلتا في القضية القانونية المرفوعة ضد الحكومة. وبعد صدور الحكم، انتقدت منظمة العفو الدولية البريطانية قرار المحكمة العليا (High Court) بخصوص توريد قطع غيار لطائرات F-35 التي تستخدمها إسرائيل في غزة.

وبالتالي، فإن الانتقال نحو مقاربة فعلية مختلفة تجاه القضية الفلسطينية يتطلّب ربط الاعتراف السياسي والعقوبات والمواقف الدبلوماسية بسياسة متماسكة تضع احترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني في مركز العلاقة البريطانية مع إسرائيل، لا في هامشها. كما أن موقف الحكومة ليس العامل الوحيد الحاسم؛ إذ تؤدي مؤسسات الدولة الأخرى، ولا سيما السلطتان القضائية والتشريعية، دوراً مؤثراً.

ويتطلّب تقييم طبيعة السياسة البريطانية عدم الاكتفاء بالقرارات الرمزية أو التصريحات السياسية، والنظر في مدى قدرتها على الانتقال إلى إجراءات شاملة وفعالة. وما دون ذلك قد يشير إلى أن التحول في الموقف البريطاني يمثل تكيفاً محدوداً مع ظروف سياسية راهنة أكثر من كونه تحولاً استراتيجياً.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

بهاء غسان، «الموقف البريطاني تجاه فلسطين: دوافع التحول وحدوده»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1088/