مقالات

التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين: اختبار المسار السياسي

د. هند سلطان باحثة زميلة
عرض الملف التعريفي

شكّل الاجتماع الوزاري للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين، في نيويورك في 24 أيلول/ سبتمبر 2026، مناسبة لتقييم مساره بعد عام من اعتماد إعلان نيويورك، فقد حافظ التحالف منذ تأسيسه على استمرارية اجتماعاته وبناء توافق دولي واسع حول هدف تنفيذ حل الدولتين، وتبلور هذا التوافق في إعلان نيويورك ضمن إطار عمل تضمن خطوات محددة لإنهاء الحرب في قطاع غزة، وتوحيد غزة والضفة الغربية، ودعم مؤسسات الدولة الفلسطينية، وتعزيز الأمن وإعادة الإعمار، إلى جانب آليات للمتابعة والتنفيذ. إلا أن هذا التقدم في بناء التوافق ووضع إطار سياسي لم يصاحبه، حتى الآن، ظهور آليات جديدة واضحة تتناسب مع المرحلة التي دخلتها القضية الفلسطينية في 2026. ففي الوقت الذي واصل فيه التحالف متابعة إعلان نيويورك، بدأ يظهر في اجتماعاته اتجاه نحو التكيف مع ترتيبات جديدة في غزة، وفي مقدمتها “مجلس السلام” وقرار مجلس الأمن 2803. ومن هنا يطرح انعقاد الاجتماع الأخير سؤالاً مهماً: هل يمثل هذا التكيف بداية لتطوير آليات جديدة للتحالف، أم سيظل دوره قائماً أساساً على التعاون وتنسيق المواقف، بينما تتولى مسارات أخرى الجوانب التنفيذية؟

عام 2026: من متابعة إعلان نيويورك إلى التعامل مع مسارات جديدة

أُنشئ التحالف في 2024 بمبادرة من السعودية والنرويج والاتحاد الأوروبي، وتطور عمله خلال 2025 وصولاً إلى مؤتمر نيويورك وإعلانه الذي حدد إطاراً أكثر تفصيلاً لتنفيذ حل الدولتين، وشمل ذلك قضايا وقف الحرب، وتوحيد غزة والضفة الغربية، والإصلاح السياسي الفلسطيني، والأمن، وإعادة الإعمار، والاعتراف بالدولة الفلسطينية. ولذلك دخل التحالف عام 2026 وهو يمتلك بالفعل إطاراً سياسياً وآلية متابعة تستفيد من عمل مجموعات المؤتمر الثماني، ولم يكن بحاجة إلى إنشاء أساس جديد لعمله. ما تغير في 2026 كان البيئة المحيطة بهذا الإطار؛ ففي كانون الثاني/ يناير 2026 استضافت أيرلندا الاجتماع الثامن للتحالف بمشاركة أكثر من 50 دولة ومنظمة دولية، وركز الاجتماع على دروس تجربة السلام في أيرلندا الشمالية، وعلى الحوار والمؤسسات وبناء السلام.

إلا أن التطور الأكثر دلالة ظهر في الاجتماع العاشر للتحالف في روما يومي 28 و29 تموز/ يوليو 2026. فقد شاركت وفود من الدول التي تترأس مجموعات عمل مؤتمر نيويورك، إلى جانب دول ومنظمات أخرى، لمتابعة تنفيذ إعلان نيويورك، وفي الوقت نفسه بحث الاجتماع سبل بناء تآزر جديد مع قرار مجلس الأمن 2803 والهياكل المرتبطة بـ “مجلس السلام”، وشارك في الاجتماع عن بُعد نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لـ “مجلس السلام” لشؤون غزة، والمسؤول عن تنسيق الحوكمة الانتقالية وإعادة الإعمار وتنفيذ خطة غزة. وهنا ظهر للمرة الأولى بوضوح أن التحالف لم يعد يعمل فقط داخل الإطار الذي أُنشئ في 2025، وإنما أصبح مضطراً إلى تحديد علاقته بمسار دولي جديد يتعامل بصورة مباشرة مع إدارة المرحلة التالية في غزة.

ومن الجدير بالذكر أن اجتماعات 2026 تكشف عن تغير في بيئة عمل التحالف أكثر من تغير في وظيفته الأساسية، فلم يتحول التحالف إلى مؤسسة تنفيذية جديدة، ولم تظهر خلال العام، حتى الآن، آلية مستقلة تمنحه أدوات مباشرة لإدارة غزة أو فرض التزامات على الأطراف، وظلّ دوره الأساسي قائماً على التنسيق السياسي وتبادل المواقف ومتابعة الالتزامات التي نشأت عن إعلان نيويورك. وفي الوقت نفسه، بدأ التحالف يتعامل مع “مجلس السلام” والترتيبات الجديدة لغزة باعتبارها واقعاً سياسياً لا يمكن تجاهله. وتظهر أهمية اجتماع روما في أن النقاش لم يكن حول إنشاء مسار بديل، وإنما حول إيجاد علاقة بين العمل الذي بدأه التحالف وبين قرار مجلس الأمن 2803 والهياكل الجديدة. وهذا الاتجاه ظهر أيضاً في الاجتماع الوزاري بنيويورك، حيث أكدت الأطراف المشاركة أهمية تنسيق الجهود المختلفة بدل التعامل معها كمسارات منفصلة. وبالتالي، فإن التحول الذي يمكن رصده حتى الآن هو تحول في وظيفة التنسيق، وليس تحولاً كاملاً في طبيعة التحالف، فهو يحاول الحفاظ على الإطار السياسي لحل الدولتين في وقت أصبحت فيه عملية التعامل مع غزة تتحرك من خلال مؤسسات وترتيبات أخرى.

التناقض الذي كشفه عام 2026

أظهر اجتماع أيلول/ سبتمبر الفائت مفارقة أساسية في وضع التحالف، فمن ناحية، ظلّ الدعم الدولي لحل الدولتين واسعاً، واستمرت أكثر من 90 دولة في العمل داخل التحالف وفق هذا الهدف، ومن ناحية أخرى، فإن الظروف الميدانية التي يفترض أن تسمح بتحقيق الحل أصبحت أكثر صعوبة. وقد ظهر هذا التناقض في كلمات المشاركين في اجتماع نيويورك؛ فقد أكد وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي أن الهدف لم يعد يحتاج إلى مزيد من النقاش بقدر ما يحتاج إلى التنفيذ، مع التحذير في الوقت نفسه من أن الشروط التي تجعل قيام دولة فلسطينية موحدة ممكناً تتعرض للتآكل، كما أكدت المداخلة الفلسطينية أن التحدي أصبح يتمثّل في الانتقال من دعم الدولة الفلسطينية إلى تحقيقها على الأرض، وربط ذلك بقدرة المؤسسات الفلسطينية على ممارسة وظائف الدولة.

وهنا تكمن أهمية التطورات في قطاع غزة والضفة الغربية؛ فالاستيطان، ولا سيما في المناطق الاستراتيجية، والهدم والتهجير وعنف المستوطنين، إلى جانب هشاشة وقف إطلاق النار والقيود المستمرة على غزة، لا تمثل فقط قضايا منفصلة عن عمل التحالف، وإنما تؤثر بصورة مباشرة في الإطار السياسي الذي يقوم عليه إعلان نيويورك، وهو دولة فلسطينية تشمل غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. وبذلك أصبح التحالف يواجه مشكلة مختلفة عن تلك التي واجهها في 2025، ففي ذلك العام كان التحدي هو بناء إطار دولي واسع وتحويل التأييد السياسي إلى إعلان مشترك، أما في 2026، فقد أصبح الإطار موجوداً بالفعل، لكن البيئة التي يفترض أن يُطبق فيها أصبحت معقدة بشكل كبير.

هل يتجه التحالف إلى تغيير أكبر؟

حتى الآن، لا تقدم اجتماعات 2026 دليلاً كافياً على تحول التحالف إلى آلية مختلفة جذرياً، فاستمرار الاجتماعات ومجموعات العمل، وإعادة التأكيد على إعلان نيويورك، ثم إدخال قرار مجلس الأمن 2803 و”مجلس السلام” في النقاش، تشير إلى أن التحالف يتجه إلى التكيف مع الترتيبات الجديدة أكثر من استبدال وظيفته الحالية. ولكن اجتماع روما أظهر أيضاً أن هذه الوظيفة قد تتغير تدريجياً إذا استمرت الترتيبات الجديدة في غزة، فقد أصبح التحالف يتعامل مع مسار يمتلك هياكل تنفيذية خاصة بغزة، بينما يحتفظ هو بالإطار السياسي الأوسع لحل الدولتين. وفي اجتماع نيويورك ظهر الاتجاه نحو تنسيق هذه المسارات بدل الفصل بينها. لذلك، فإن المؤشر الأهم في المرحلة المقبلة لن يكون عدد اجتماعات التحالف أو البيانات الصادرة عنه، وإنما ما إذا كان سيطور بالفعل آلية تنسيق مؤثرة بين إعلان نيويورك والترتيبات الخاصة بغزة، أم سيظل إطاراً دبلوماسياً لتأكيد المواقف الدولية. ولا يمكن الجزم حتى الآن بأن التحول الأول قد حدث؛ فالوقائع المتاحة في 2026 تظهر بداية إعادة تموضع في بيئة سياسية جديدة، وليس بعد تحولاً مكتملاً في طبيعة التحالف أو أدواته.

يكشف مسار التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين خلال 2026 عن انتقاله إلى مرحلة اختبار أكثر تعقيداً؛ فقد استمر التحالف في أداء وظيفته الأساسية بوصفه إطاراً دولياً لتنسيق المواقف حول حل الدولتين، إلا أنه أصبح يعمل بالتوازي مع ترتيبات جديدة لإدارة المرحلة التالية للحرب في غزة. والأهم أن اجتماعات دبلن وروما ونيويورك لا تظهر حتى الآن انقلاباً في وظيفة التحالف، وإنما تكشف محاولة لاستيعاب البيئة السياسية الجديدة والحفاظ على الصلة بين ترتيبات غزة والمسار الأوسع لحل الدولتين. وفي الوقت نفسه، أصبح التناقض بين اتساع الإجماع الدولي حول الحل وتراجع الظروف الميدانية اللازمة لتحقيقه أكثر وضوحاً، وبالتالي، فإن هذا العام لم يكن عام تحول التحالف إلى آلية تنفيذية جديدة، بقدر ما كان عام اختبار لوظيفته وموقعه داخل منظومة دولية أصبحت تضم مسارات جديدة للتعامل مع غزة، بالإضافة إلى التحولات الإقليمية والعالمية المستمرة. وسيحدد تطور العلاقة بين هذه المسارات خلال المرحلة المقبلة ما إذا كان التحالف سيظل إطاراً للتنسيق السياسي، أم سيكتسب دور

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

د. هند سلطان، «التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين: اختبار المسار السياسي»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1089/