مقالات

الرئيس الصيني في مصر: هل يستمر فصل الاقتصاد عن السياسة؟

د. هند سلطان باحثة زميلة
عرض الملف التعريفي

في الوقت الذي أبدت فيه الصين نوعاً من الحذر في التعليق على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وتحفّظت بوضوح على تأسيس “مجلس السلام” الذي سيتولى التعامل مع القطاع بعد الحرب، توجد مؤشرات على دخول شركات صينية في عطاءات وفرص استثمار في إعادة الإعمار والإغاثة في القطاع. في هذا السياق تكتسب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ المرتقبة إلى مصر في 2 و3 أيلول/ سبتمبر 2026، أهمية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية بين البلدين.

هذه أول زيارة دولة يقوم بها الرئيس الصيني إلى القاهرة منذ عشرة أعوام، وتتزامن مع مرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وتتضاعف أهمية الزيارة في ضوء الاضطرابات الإقليمية المتصاعدة التي تشهدها المنطقة. وفي ظل التوافق المصري الصيني بشأن الوضع في غزة خصوصاً، والقضية الفلسطينية عموماً، تطرح الزيارة سؤالاً يتعلّق بالمدى الذي يستطيع التطور المتسارع في الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والصين أن ينتج أدوات دبلوماسية مؤثرة في المسألة الفلسطينية، تضمن عدم فصل الاقتصاد عن التسوية السياسية وحق تقرير المصير؟

الصين بين الموقف السياسي والنزعة التجارية البراغماتية

عند إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطته لوقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 أعلن وزير الخارجية الصيني، وانغ يي موقف بلاده قائلاً إن الصين ترحب بجميع الجهود الرامية إلى استعادة السلام وإنقاذ الأرواح. وأضاف أن الكارثة الإنسانية في غزة تمثل وصمة عار على جبين القرن الحادي والعشرين. ودعت الصين إلى وقف حقيقي لإطلاق النار، وضرورة تنفيذ التوافق الدولي حول مبدأ “الفلسطينيون يحكمون فلسطين”، وعدم الحياد عن مسار حل الدولتين. ثم برز التحفّظ الصيني واضحاً مع طُرح مشروع “مجلس السلام”، فعندما عرضت الولايات المتحدة مشروع القرار 2803 على مجلس الأمن، في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، الذي أعطى غطاءً دولياً لخطة ترامب وأنشأ إطار “مجلس السلام” والقوة الدولية لتحقيق الاستقرار، لم تستخدم الصين حق النقض (الفيتو) ، لكنها امتنعت عن التصويت إلى جانب روسيا، وقد مرّ القرار بـ 13 صوتاً، وفي كانون الثاني/ يناير 2026 تلقّت الصين دعوة للانضمام إلى “مجلس السلام” لكنها لم تنضم إليه، وأبدت قلقها من احتمال أن يُشكّل المجلس إطاراً بديلاً للأمم المتحدة.

 ووفقاً لبعض المؤشرات الأولية، تشير مشاركة الشركات الصينية في عمليات التوريد المرتبطة بالاحتياجات الإنسانية والسكنية المؤقتة إلى وجود استعداد تجاري صيني للاستفادة من السوق المستقبلية لإعادة الإعمار. ووفقاً لبعض المصادر، فازت شركات صينية – مثل Heike – بمناقصة لتوريد وحدات سكنية متنقلة، كما ظهرت شركة Shandong Weichang ضمن أقل العروض في مناقصة أخرى مرتبطة ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتوفير ما يصل إلى 45 ألف وحدة إسكان مؤقتة.

فلسطين في سياق المصالح الصينية في الحقبة الجديدة

تسعى بكين إلى تعزيز دورها في النظام الدولي وإعادة صياغة قواعده، وما يرتبط بذلك من مبادرات ومفاهيم مثل الحزام والطريق، ومجتمع المصير المشترك للبشرية، والجنوب العالمي، والحوكمة العالمية، التي تتقاطع عند هدف تعزيز التعددية وإعادة توزيع القوة والتأثير داخل النظام الدولي بما يعكس بصورة أكبر مصالح الدول النامية. لذلك ربما توفر القضية الفلسطينية لبكين فرصة لتعزيز خطابها بشأن السيادة وعدم التدخل ورفض الانتقائية في تطبيق قواعد النظام الدولي، بما يمكن أن يعزز الثقة السياسية لدى الدول النامية ويدعم المواقف الصينية في قضايا تعتبرها بكين مرتبطة بسيادتها وأمنها القومي. لكن الصين حافظت تاريخياً على علاقات “متوازنة” مع أطراف منافسة، بما في ذلك إسرائيل والدول العربية، وفصلت نسبياً بين مصالحها الاقتصادية ومواقفها السياسية من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلّا أن تصاعد التنافس الصيني الأميركي، لاسيما في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية والموانئ، فرض قيوداً متزايدة على هامش العلاقات الصينية الإسرائيلية.

تعدد الفاعلين وتكامل المصالح: ترتيبات ما بعد الحرب وإعادة إعمار غزة

تكشف ترتيبات ما بعد الحرب في غزة عن تعدد في مراكز القوة والموارد، وفي الوقت نفسه تتضح فجوة واضحة بين الأطراف التي تمتلك أدوات التأثير السياسي والأمني، وتلك التي تمتلك الموارد التمويلية والتنفيذية اللازمة لإعادة الإعمار. فالولايات المتحدة الأميركية تتمتّع بنفوذ رئيسي في صياغة الأطر الدولية المرتبطة بالأمن والترتيبات الانتقالية، بينما تحتفظ إسرائيل بقدرة مؤثرة على التحكّم في الوصول الميداني وحركة الأفراد والسلع ودخول مواد البناء، وتمتلك دول خليجية قدرات كبيرة للعب دور في تمويل عملية التعافي، في حين تحتفظ مصر بموقع مركزي بحكم الجغرافيا، ودورها في الوساطة، وقنوات اتصالها بمختلف الأطراف، فضلاً عن دورها في إدخال المساعدات وارتباطها المباشر بحدود قطاع غزة، إلا أن تعدّد هذه الأدوار لم يتحول بالضرورة إلى إطار مؤسسي متماسك يربط إعادة الإعمار بقضايا الانسحاب، والسيادة الفلسطينية، ووحدة الأراضي الفلسطينية، ومستقبل العلاقة بين غزة والضفة الغربية.

 وتكمن هنا إحدى أهم المشكلات البنيوية في مرحلة ما بعد الحرب، حيث يمكن أن تتوافر الموارد المالية والقدرات التنفيذية، من دون أن تتوافر صيغة سياسية تضمن تحوّل الإعمار إلى أداة لاستعادة القدرة الفلسطينية على إدارة القطاع، بدل أن يصبح مجرد آلية لإدارة الأزمة الإنسانية وإعادة إنتاج الاعتماد على الأطراف الخارجية. ومن هذه الزاوية، تكتسب العلاقات المصرية الصينية أهمية محتملة، ليس باعتبارها شريكاً سياسياً جديداً في غزة، وإنما باعتبارها تلاقياً بين قدرات متكاملة يمكن أن يسهم في سد جزء من الفجوة بين السياسة والتنفيذ.

تمتلك مصر الجغرافيا والخبرة التفاوضية وشبكة قنوات الاتصال مع الأطراف الفلسطينية والإقليمية، بالإضافة إلى المعرفة المباشرة بالتوازنات السياسية والأمنية المرتبطة بقطاع غزة. وفي المقابل، تمتلك الصين عضوية دائمة في مجلس الأمن، وقدرات صناعية وإنشائية واسعة، وإمكانات كبيرة في مجال سلاسل التوريد والمعدات والبنية التحتية، إضافة إلى علاقاتها مع مختلف الأطراف الفلسطينية، وقدرتها على توفير تمويل أو ائتمان أو مشاركة الشركات الصينية في مشروعات التنمية وإعادة الإعمار. كما يعتمد هذا التكامل المحتمل أيضاً على قدر من التقارب في مواقف القاهرة وبكين بشأن تثبيت وقف إطلاق النار، ورفض التهجير و”الضم”، ودعم حل الدولتين، والتأكيد على الدور الفلسطيني في إدارة مستقبل القطاع.

وتثير الزيارة الصينية إلى مصر سؤالاً حول ما إذا كانت بكين ستتبنّى سياسات تعكس نمطاً أوسع من البراغماتية التجارية الصينية؟

حتى عندما لا تكون الشركة الصينية هي المقاول الرئيسي، يمكنها الاستفادة من الطلب على مواد البناء والمعدات والوحدات الجاهزة والمكونات الصناعية من خلال الموردين الفلسطينيين أو المصريين أو غيرهم. وبذلك، لا تحتاج بكين بالضرورة إلى السيطرة على عقود إعادة الإعمار حتى تحقق عائداً اقتصادياً منها، بحيث يمكن أن تصبح شركاتها جزءاً من البنية التحتية التجارية التي تقوم عليها عملية الإعمار نفسها. وتوفر هذه الآلية للصين ميزة إضافية تتمثل في إمكانية الجمع بين قدرتها التصنيعية الضخمة وبين الموقع اللوجستي المصري، بما يتيح تصوّر نموذج يقوم على إنتاج المكونات في الصين، ثم تجميعها أو تخزينها وتوزيعها عبر مصر، قبل إدخالها إلى غزة وفق الترتيبات السياسية والأمنية المعمول بها.

هذا البعد التنموي لا ينفصل عن المصالح الجيو–اقتصادية الأوسع التي تربط مصر والصين بأمن البحر الأحمر وقناة السويس؛ فقد أدى انتقال تداعيات حرب غزة إلى البحر الأحمر وباب المندب، إلى اضطرابات واسعة في حركة الملاحة وسلاسل الإمداد، وأثّر ذلك على المصالح المصرية الصينية. ويفتح هذا التقاطع مجالاً إضافياً للتعاون بين البلدين، ليس بالضرورة من خلال شراكة أمنية عسكرية مباشرة، وإنما عبر دعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد، وتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية المرتبطة بقناة السويس، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وربط مشروعات إعادة إعمار غزة بالممرات اللوجستية الإقليمية التي تمر عبر مصر.

حدود تحويل التعاون إلى أثر سياسي

في الواقع، هناك فجوة أساسية بين القدرة على المساهمة في إعادة الإعمار والقدرة على التأثير في الشروط السياسية التي تحكمه؛ فالتكامل المصري الصيني يمكن أن يتضمن الجمع بين الموقع والوساطة المصرية والقدرات الصناعية والتمويلية الصينية، إلا أن هذا التكامل لا يمنح الطرفين، بمفرده، القدرة على تحديد مستقبل غزة أو فرض ترتيباتها الأمنية والسياسية، لأن ذلك مرهون إلى حدٍّ كبير بوقف إطلاق النار، وبطبيعة الإطار الدولي المنظّم لإعادة الإعمار، وبالجهة الفلسطينية المخولة بالتعاقد والإشراف، فضلاً عن القيود الإسرائيلية والأمنية المتعلّقة بدخول المواد والمعدات إلى القطاع.

كما تكمن المخاطر الرئيسية في أن نجاح هذا التعاون تجارياً قد لا يعني نجاحه سياسياً؛ فقد تستطيع الشركات الصينية توريد الوحدات والمعدات وتنفيذ مشروعات البنية التحتية، وقد تتمكن مصر من توفير قنوات العبور والوساطة، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تغيير موازين القوة التي تحدد الوصول إلى غزة أو مستقبل إدارتها. كما أن المصالح التجارية الصينية قد تدفع نحو التركيز على المشروعات القابلة للتنفيذ والتمويل، بينما تتطلّب المصالح الفلسطينية معالجة قضايا أكثر تعقيداً تتعلّق بالسيادة والتمثيل السياسي وحق تقرير المصير.

وبالتالي، لا ينبغي تقييم الدور المصري الصيني باعتباره بديلاً عن الأطر الدولية القائمة، وإنما باعتباره مساهمة محتملة في سدّ فجوة محددة بين التمويل والتنفيذ والوساطة، وتزداد قيمته للقضية الفلسطينية كلما ارتبطت هذه الأدوات بالملكية الفلسطينية للعملية، وبناء القدرة الاقتصادية والمؤسسية المحلية، وربط التعافي بإطار سياسي يحفظ وحدة الأراضي الفلسطينية وحق تقرير المصير.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

د. هند سلطان، «الرئيس الصيني في مصر: هل يستمر فصل الاقتصاد عن السياسة؟»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1020/