مقالات

كولومبيا: الاستقطاب السياسي وتحوّل الموقف من فلسطين

تُظهر الانتخابات الكولومبية الأخيرة تزايد درجة الاستقطاب في المشهد السياسي في أميركا اللاتينية وانعكاساته على السياسة الخارجية. وتمثّل الانتخابات الرئاسية لعام 2022 والانتخابات اللاحقة في حزيران/ يونيو 2026 مرحلة جديدة في تاريخ طويل للانقسام السياسي في كولومبيا، بدءاً من الانقسام التقليدي بين الليبراليين والمحافظين إلى المرحلة الأحدث التي تتسم بتنافس أكثر وضوحاً بين قوى اليسار واليمين. وعلى الرغم من أن تغيّر الحكومات أفضى تاريخياً إلى تحولات في السياسات الداخلية والخارجية لكولومبيا، فإن ذلك لم ينعكس على الموقف من فلسطين. إلا أن تطورات الدورتين الانتخابيتين الماضيتين غيرت المعادلة؛ فقد تبنّت حكومة غوستافو بيترو (آب/ أغسطس 2022 – آب/ أغسطس 2026)، وهي أول إدارة يسارية في كولومبيا، موقفاً قوياً في دعم فلسطين، وبلغ ذلك ذروته في قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في أيار/ مايو 2024 عقب تصاعد الإبادة الجماعية في قطاع غزة.

لكن المشهد انقلب بعد الانتخابات الأخيرة، حيث سارعت حكومة الرئيس أبيلاردو دي لا إسبرييلا – اليمينية المتطرفة – بمجرد تشكيلها هذا الصيف، إلى استعادة العلاقات مع إسرائيل وتعميقها. ويُعرف دي لا إسبرييلا بقربه الشديد من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويبدو أن التقارب مع واشنطن يقترن بتعميق العلاقة مع إسرائيل ودعمها، بوصفه، إن جاز التعبير، رسم دخول إلى علاقة أوثق مع الولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك، يوضح نهج الحكومة الجديدة كيف يمكن للتغيرات في القيادة السياسية أن تُعيد تشكيل أولويات السياسة الخارجية للبلاد بسرعة. وبدلاً من التعامل مع موقف كولومبيا من فلسطين بوصفه عنصراً ثابتاً في سياستها الخارجية، تشير التطورات منذ عام 2022 إلى أن هذا الموقف يتداخل بصورة متزايدة مع الاستقطاب الأيديولوجي الداخلي والتوجه الجيوسياسي الأوسع للحكومات المتعاقبة، وهو ما يؤدي إلى تحولات جذرية وسريعة في السياسة الخارجية، ويرتبط هذا التوجه أيضاً بالموقف من النفوذ الأميركي.

تجسّد التحول الأبرز في استعادة كولومبيا سريعاً علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل بعد القطيعة التي شهدها عهد بيترو. وقد مثّل قبول أوراق اعتماد السفيرة الإسرائيلية الجديدة، فيفيان أسيسيين، في 21 أغسطس/ آب 2026، مؤشراً على تطبيع العلاقات الثنائية، وخروجاً كاملاً عن سياسة بيترو. وجاء ذلك بعد عامين فقط من قطع كولومبيا علاقاتها مع إسرائيل، بما يوضح مدى قدرة التغير الحكومي على تغيير السياسة الخارجية خلال فترة قصيرة نسبياً، إذ لم تكن مثل هذه التحولات المتسارعة من سمات السياسة الكولومبية قبل عام 2022.

إذا كانت إعادة العلاقات الدبلوماسية تراجعاً عمّا قامت به الحكومة السابقة، فقد حدث تطور آخر لافت في 10 آب/ أغسطس 2026، بعد أيام فقط من تولي دي لا إسبرييلا منصبه، حين اعترفت كولومبيا بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، لتصبح ثاني دولة عضو في الأمم المتحدة – بعد الولايات المتحدة – تقوم بذلك. وقد برّرت وزارة الخارجية الكولومبية القرار في بيان رسمي بأن ضم الإقليم ضروري لأمن إسرائيل ويتصل بـ “حقها” في حماية نفسها من التهديدات الخارجية. ويُعدّ هذا القرار خروجاً كبيراً عن الموقف الدولي السائد، الذي تُعد بموجبه مرتفعات الجولان أرضاً سورية تحتلها إسرائيل.

تقدم هذه التطورات مجتمعة مثالاً واضحاً على ارتباط الموقف من فلسطين بصورة متزايدة بالاصطفافات السياسية الداخلية ونتائج الانتخابات في أميركا اللاتينية، فمسار كولومبيا من دعم بيترو القوي لفلسطين، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، إلى استعادة الحكومة الجديدة للعلاقات والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، يشير إلى أن السياسة الخارجية باتت مرتبطة بصورة أوثق بالتغيّرات الأيديولوجية في الحكومة. ولذلك، تطرح الحالة الكولومبية سؤالاً أوسع بشأن سياسات أميركا اللاتينية: إلى أي مدى يدفع تغيّر الحكومات إلى تحولات في السياسة الخارجية؟ وإلى أي مدى يمكن أن يُعيد ترتيب أولوياتها الراسخة، ولا سيما فيما يتعلّق بفلسطين وإسرائيل؟

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

سمر نخلة، «كولومبيا: الاستقطاب السياسي وتحوّل الموقف من فلسطين»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1033/