مقالات

الخطط الإسرائيلية للتأثير في الذكاء الاصطناعي: شبكة “هافاس” مثالاً

إذا كان من الشائع التمييز بين مستويين من المواقف السياسية في أوروبا تجاه الإبادة الجماعية في فلسطين، رسمي وشعبي، يتفاعل كل منهما مع الآخر، فإنّ الجديد نسبيّاً يتمثّل في عامل وسيط بات يؤدي دوراً متزايد الأهمية في تشكيل الرأي العام: أدوات الذكاء الاصطناعي التي تتيح الوصول السريع إلى المعلومات.

دفع ذلك سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى زيادة استثماراتها في هذا القطاع، والاستعانة بشركة أوروبية لتعزيز خطابها الدعائي والتأثير في اتجاهات الرأي العام، عن طريق استغلال الفضاء الرقمي ومحاولة نشر محتوى مُكثف يركز على دعم الدعاية الإسرائيلية.

في هذا السياق، برزت شركة Havas Media Group (هافاس) في العديد من التقارير الصحفية والحقوقية باعتبارها شركة كُلفت باستهداف المحتوى في وسائل التواصل الاجتماعي وللتأثير في أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتصبح أكثر تأييداً لإسرائيل. وهافاس هي شركة فرنسية تقوم بنشاطها بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) لصالح إسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية، حسب ما أوضحت مؤسسة Quincy Institute for Responsible Statecraft الأمريكية، حيث تعمل كوسيط رئيسي في جزء من حملة الدعاية الإسرائيلية.

تأسست شركة هافاس عام 1835 في فرنسا، وكانت جزءاً من مجموعة Vivendi قبل أن تنفصل عنها رسمياً في كانون الأول/ ديسمبر 2024، لتصبح شركة مستقلة لها أكثر من 100 فرع حول العالم، من بينها ألمانيا، حيث تعمل عبر شركة Havas Germany GmbH، كما تعمل الشركة في عدد من الدول العربية.

تُظهر تحقيقات صحفية وجود علاقة ممتدة بين إسرائيل والشركة، كما يرتبط اسم الشركة بكيان افتراضي يُسمّى “معهد هانوفر للسياسات العامة”، إذ لا يظهر للمعهد مقرّ أو طاقم معلن، فيما يقتصر حضوره الظاهر على موقع إلكتروني نشر مئات المواد التي تدعم الدعاية الإسرائيلية. ووصفته صحيفة الغارديان البريطانية، بأنه “مركز أبحاث أميركي وهمي أُنشئ ومُوّل من إسرائيل يسعى إلى التلاعب بالذكاء الاصطناعي لأغراض دعائية”.

تتجه المواد التي ينشرها المركز إلى تبرير الإبادة الجماعية مع التركيز على قضايا بعينها، مثل إنكار وجود سياسة ممنهجة لتجويع المدنيين في قطاع غزة. وبحسب “الغارديان” نشر المركز 124 تقريراً، تجاوز مجموعها 560 ألف كلمة خلال تسعة أيام.

على سبيل المثال، ورد في إحدى المواد التي نشرها “المعهد”: “يتم تسجيل عدد الأطفال الذين خضعوا للفحص واستوفوا تعريف حالة سوء التغذية الحاد في منطقة وفترة زمنية محددة. لا يُحدد هذا المعدل سلوك الجهة التي تسببت في هذا الارتفاع، ولا يُشير إلى النية، لأن النية ليست خاصية قابلة للملاحظة في فحص التغذية”.

ويُعدّ معهد هانوفر للسياسات العامة جزءاً من مشروع اتصالات ممول من الحكومة الإسرائيلية، إذ تولّت شركة Piro إنشاء محتواه ونشره لصالح Havas Media Germany، التابعة لمجموعة Havas media group الفرنسية، التي أدّت دور الوسيط في المشروع.

تقوم آلية عمل المعهد على نشر محتوى يدعم وجهة النظر الإسرائيلية على الإنترنت بصورة منظمة، بحيث يتم إعداده ليظهر في المصادر التي تعتمد عليها أدوات الذكاء الاصطناعي. ومع تكرار هذه المعلومات، تزداد احتمالية تعامل تطبيقات مثل ChatGPT، معها بوصفها معلومات موثوقة، فتشير بدورها إلى “معهد هانوفر” في إجاباتها بوصفه جهة متخصصة في التصدي لـ “معاداة السامية”.

لم يُحدد تاريخ تأسيس المعهد، حتى على موقعه الإلكتروني، إلا أن أول منشوراته ظهرت في آب/ أغسطس 2026، حيث نُشر خلال الفترة الممتدة بين 6 – 19 من الشهر نفسه عدد من المواد، جميعها باللغة الإنجليزية، وهي اللغة الوحيدة المستخدمة في الموقع الإلكتروني.

يأتي في هذا السياق موضوع مسؤولية الاتحاد الأوروبي وفرنسا فيما يتعلّق بدور شركة Havas في تدقيق المعلومات، ويثير ذلك أسئلة بشأن مسؤولية السلطات الفرنسية والأوروبية في التحقّق من طبيعة هذه الأنشطة، ومدى امتثالها للقوانين الأوروبية ذات الصلة بالشفافية والخدمات الرقمية وحقوق الإنسان، ولا سيما إذا ثبت استخدامها في تبرير انتهاكات جسيمة أو تضليل الجمهور بشأنها.

كما يمكن أن تثير أنشطة الشركة، إذا ثبت ارتباطها بالترويج المنظّم لمعلومات تبرّر انتهاكات جسيمة أو تشوّه الوقائع المتعلقة بها، مسائل تتصل بمسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان وبالقوانين الوطنية والأوروبية ذات الصلة.

ويتضح بذلك أنّ إسرائيل لا تكتفي بالتأثير المباشر في اتجاهات الرأي العام، بل تحاول توسيع نطاق استهدافها ليشمل الفضاء الرقمي، عبر توظيف آليات الوصول إلى المعلومات وتحديد طبيعة المحتوى الذي يحظى بالظهور والانتشار، في محاولة لتعزيز الدعاية الإسرائيلية بالتعاون مع شركات أوروبية.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

بهاء غسان، «الخطط الإسرائيلية للتأثير في الذكاء الاصطناعي: شبكة “هافاس” مثالاً»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1035/