مقالات

حركات استيطانية من الضفة الغربية إلى سورية ولبنان

عبد القادر بدوي باحث زميل
عرض الملف التعريفي

شهدت الأشهر الأخيرة تزايداً في محاولات مجموعات إسرائيلية عبور الحدود إلى سورية ولبنان، تقودها منظمتا “رواد الباشان” و”استيقظ أيها الشمال” الاستيطانيتان، ضمن دعواتهما إلى إقامة مستوطنات إسرائيلية في جنوب سورية ولبنان، وقد أقرّ الجيش الإسرائيلي بتزايد هذه الحوادث وخطورتها، فيما وثقت بعض المصادر الإسرائيلية تحولها إلى ظاهرة تستنزف القوات الإسرائيلية المتمركزة في هذه المناطق. تكشف بنية المنظمتين عن صلات مباشرة بشبكات الاستيطان في الضفة الغربية، وعن محاولة لنقل “الخبرة الاستيطانية” التي راكمتها هذه الشبكات من خلال نموذج “البؤرة الاستيطانية” إلى الأراضي التي تقع اليوم تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية في سورية ولبنان.

الاحتلال العسكري يفتح الطريق أمام الاستيطان

وفرت الحرب الإسرائيلية متعدّدة الجبهات المجال الجغرافي الذي تعمل داخله المنظمتان؛ فبعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، دخل الجيش الإسرائيلي المنطقة العازلة التي أنشأها اتفاق فصل القوات لعام 1974، واحتلّ قمة جبل الشيخ ومواقع داخل القنيطرة، وأقام سلسلة مواقع عسكرية في الجنوب السوري، وهو ما عدّته قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك خرقًا لاتفاق عام 1974.

أما في لبنان، فاتسعت السيطرة الإسرائيلية خلال حرب 2026، وأظهرت مراجعة لوكالة “رويترز” أن إسرائيل احتلت نحو 600 كيلومتر مربع في الجنوب، وأصدرت أوامر بإخلاء 57 بلدة وقرية، قبل توسيع أوامر الإخلاء والقصف إلى أكثر من مئة بلدة إضافية في الجنوب، وبات نحو ألفي كيلومتر مربع، أي قرابة خُمس مساحة لبنان، واقعاً تحت الاحتلال أو ضمن مناطق يصعب على السكان العودة إليها.

رافقت هذا الاحتلال العسكري تحرّكات استيطانية إسرائيلية، وقد لخصت منظمة “رواد الباشان” الاستيطانية ذلك بالقول إن “السيطرة العسكرية وحدها لا تكفي”، وطالبت بالسماح لـ “نواة العائلات” بالاستيطان في جنوب سورية على قاعدة أن “الاستيطان يجلب الأمن”، وفي نيسان/ أبريل 2026، عبر 42 من ناشطيها الحدود باتجاه قرية حضر، وأعلنوا أنهم سيبقون إلى أن يُسمح للعائلات بالإقامة هناك.

من مستوطنات “صانور” و”حومش” إلى سورية ولبنان

تأسست منظمة “استيقظ أيها الشمال” (“عوري هتسفون” بالعبرية) عام 2024، وتعرّف نفسها عبر موقعها الرسمي بأنها “منظمة للاستيطان في جنوب لبنان”، وتطالب بضم مساحات واسعة من الجنوب وإقامة تجمعات استيطانية يهودية فيها. أما منظمة “رواد الباشان” (“حلوتسي هباشان” بالعبرية)، فتأسست بعد سقوط نظام الأسد، وتطرح جنوب سورية، بما في ذلك أجزاء من القنيطرة ودرعا والسويداء، مجالاً للاستيطان الإسرائيلي.

يشير البحث في جذور هذه المنظمات الاستيطانية إلى وجود صلات مباشرة بين المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية والتحركات الاستيطانية في سورية ولبنان، من جهة، يقف خلف تأسيس هذه المنظمات المستوطن عاموس عزاريا من مستوطنة “أريئيل”، الذي يدرّس في جامعتها أيضاً، وكان سابقاً من سكان مستوطنة “صانور” شمال الضفة الغربية التي انسحبت منها إسرائيل عام 2005، وقد أظهر تحقيقٌ صحفي إسرائيلي أنه ينظر إلى “البؤر الاستيطانية” في الضفة الغربية باعتبارها نموذجاً يمكن استنساخه في سورية ولبنان. من جهة ثانية، نشأت فكرة “استيقظ أيها الشمال” بعد زيارة عزاريا لعائلة الجندي الذي قُتل في قطاع غزة يسرائيل سوكول من مستوطنة “كرنيه شومرون”، وهي عائلة ناشطة في منظمة “نحالاه” الاستيطانية المعروفة، ومن هذه الدائرة أصبحت شقيقة سوكول، آنا سلوتسكين، من مؤسسي المنظمة.

من جهة ثالثة، تظهر الصلة بالضفة بصورة أوضح في البنية التنظيمية لـ “رواد الباشان”، حيث تعمل المنظمة تحت مظلة جمعية “وورثتموها” الاستيطانية (“فيرشتم اوتاه” بالعبرية)، التي تضم ناشطين قدامى في المشروع الاستيطاني: المستوطن أوري أمسلي من مستوطنة “كريات أربع”، وإيلان تور، أحد مؤسسي المستوطنة كذلك، ويشاي دوفرت الناشط في منظمة استيطانية متخصصة في “حماية المزارع والبؤر الاستيطانية” في الضفة، كما تتولّى منظمة “حونينو”، المعروفة بتمثيل ناشطي اليمين والمستوطنين، الدفاع عن ناشطي المنظمة أمام المحاكم الإسرائيلية.

تكشف هذه الشبكة عن امتدادٍ بشري وتنظيمي وقانوني مباشر بالمشروع الاستيطاني في الضفة، ويعلن عزاريا هذا الارتباط بوضوح، مستشهداً بمستوطنة “حومش” التي أُخليت عام 2005 ثم أعيدت “شرعنتها” بعد نحو عشرين عاماً، ويحدد هدف الحركتين في الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الخلاف مع الدولة حول البناء، بعدما يصبح وجود المستوطنين نفسه أمراً واقعاً، وهي الطريقة التي عملت بها المنظمات الاستيطانية في الضفة الغربية خلال العقود الماضية.

مشروع استيطاني يجد دعماً في المؤسسة السياسية

تكمن خطورة هذا التوجه الاستيطاني في أنه لم يعد محصوراً في مشاريع المنظمات الاستيطانية التي أشرنا إليها، بل بدأ يجد له موطئ قدم داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية أيضاً، ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2025، سُجل في الكنيست مقترح قانون قدّمه عضو الكنيست عن الليكود عميت هليفي، لتوسيع تطبيق “السيادة الإسرائيلية” إلى أراضٍ سورية، فيما أظهرت تفاصيل المشروع أنه يشمل قمة جبل الشيخ والقنيطرة والمنطقة العازلة. كما يتقاطع ذلك مع شبكة دعم واتصالات سياسية أوسع تحيط بالمنظمتين، حيث عقد ناشطوهما لقاءات مع وزراء وأعضاء كنيست من أحزاب “الليكود” و”الصهيونية الدينية” و”قوة يهودية” اليمينية، وأبدى بعضهم تأييداٌ لفرض “السيادة” أو الاستيطان في المناطق التي يسيطر عليها الجيش في سورية ولبنان.

ختاماً، لا توجد حتى الآن خطة حكومية معلنة لإقامة مستوطنات في سورية أو لبنان، وهذا المشروع لم تتم ترجمته إلى واقع استيطاني فعلي في هذه الأراضي، غير أن خطورة ذلك تبدأ من انتقاله من دوائر المستوطنين إلى النقاش السياسي، ومن تبنّي عدد من الوزراء وأعضاء الكنيست من أحزاب اليمين وأقصى اليمين أفكاراً تتصل بـ “ضم الأراضي” أو الاستيطان فيها، وصولاً إلى تقديم مقترحات تشريعية بهذا الاتجاه، وهذا من ناحية.

من ناحية ثانية، إن استمرار الاحتلال العسكري الإسرائيلي لمناطق واسعة في جنوب سورية ولبنان، يصعّب استبعاد تحوّل هذه النقاشات والمبادرات الاستيطانية إلى ضغوط سياسية تدفع نحو الاستيطان في هذه الأراضي المحتلة، ويتعزّز ذلك كله بالنظر إلى الثقل الذي باتت تتمتع به المنظمات والشخصيات الاستيطانية داخل السياسة الإسرائيلية، فقد أصبح عدد من ممثليها وقادتها وشركائها جزءاً من الائتلاف والحكومة والكنيست، وتملك قدرة فعلية مُثبتة على التأثير في أجندة الحكومة وقراراتها. ومن هنا، فإن محدودية تأثير “رواد الباشان” و”استيقظ أيها الشمال” اليوم لا تكفي للاطمئنان إلى بقاء المشروع هامشياً، خصوصاً أن مشروع الاستيطان في الضفة أظهر قدرة “المبادرات الاستيطانية المحدودة”، التي بدأت أحياناً من خارج القرار الحكومي، على أن تتحول مع الوقت إلى “وقائع” تحظى بالحماية والتمويل ثم “الشرعنة”.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

عبد القادر بدوي، «حركات استيطانية من الضفة الغربية إلى سورية ولبنان»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1031/