مقالات

أوروبا: قيود على منتجات المستوطنات بدلاً من تعليق اتفاقية الشراكة

أصدرت مجموعة من الدول الأوروبية في أوائل أيلول/ سبتمبر 2026، بياناً مشتركاً بشأن حل الدولتين، دعت فيه إلى فرض قيود على منتجات المستوطنات الإسرائيلية، كما أعربت فيه عن رفضها لمشروع E1 الاستيطاني في الضفة الغربية، الذي من شأنه تغيير الخريطة الديمغرافية والجغرافية للضفة على نحو ٍجذري، ويجعل من المستحيل إقامة دولة فلسطينية في حال تنفيذه. وشمل البيان كلاً من الدنمارك وفنلندا وفرنسا وآيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة.

على الرغم من أهمية هذا البيان، وما ينطوي عليه من خطوات عملية محتملة ضد سياسات إسرائيل الاستيطانية، فإنه يأتي في سياق العدول عن خطوة أخرى سبق أن نوقشت خلال فترة الحرب على قطاع غزة. وتتمثل تلك الخطوة في تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. وهذا ما يثير التساؤل حول أسباب هذا التحول نحو خطوة أكثر محدودية.

ويترتب على ذلك ضرورة التطرق إلى طبيعة اتفاقية الشراكة، التي تتمثل في كونها رابطة قانونية استراتيجية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل تهدف إلى دمج الأخيرة في الاقتصاد الأوروبي، وإلى التنسيق في القضايا السياسية والأمنية. وتنص الاتفاقية على أنّ احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية يشكّل عنصراً أساسياً في هذه الشراكة.

في المقابل، تستمر إسرائيل في انتهاك أحكام القانون الدولي وحقوق الإنسان في فلسطين ولبنان وسورية، من دون أن يدفع ذلك بالاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ خطوات فعلية من شأنها وقف تلك الانتهاكات، بناءً على البند المتعلّق باحترام حقوق الإنسان المنصوص عليه في اتفاقية الشراكة.

ويعكس ذلك تبايناً مستمراً بين المواقف المُعلنة والسياسات العملية تجاه الاحتلال الإسرائيلي، حيث يظلّ التعامل مع انتهاكاته محكوماً بالمصالح السياسية، ما يحُد من استخدام أدوات الضغط المتاحة في اتفاقية الشراكة. وقد أدى ذلك إلى استمرار التعاون الأوروبي- الإسرائيلي، رغم استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

وقد بلغت هذه الانتهاكات في قطاع غزة حدّ الإبادة الجماعية، في ظلّ غياب إجراءات أوروبية فعّالة لوقفها، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مدى وفاء الاتحاد الأوروبي بالتزاماته القانونية، ولا سيّما في ما يتعلّق بمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

يشير البيان الأوروبي المشترك إلى محاولة من جانب عدد من الدول إيجاد أدوات جماعية بديلة للضغط على إسرائيل، في ظلّ الصعوبة التي يشهدها الاتحاد الأوروبي في توحيد سياسته الخارجية، نتيجة طبيعته المؤسسية وتباين مواقف ومصالح الدول الأعضاء، وهو ما يعيق إعادة طرح تعليق اتفاقية الشراكة كأحد أدوات الضغط.

تأتي هذه المحاولة في وقت بلغت فيه الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة حد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، بما يفرض على الدول الأوروبية التعامل مع ما يتعرض له الشعب الفلسطيني باعتباره تهديداً لوجوده ومستقبله على أرضه.

ويعكس البيان إدراكاً متزايداً لدى بعض الدول الأوروبية لخطورة هذا المسار، ويتضح ذلك ليس فقط من خلال رفض مشروع E1 الاستيطاني، وإنما أيضاً من خلال محاولة إعادة حل الدولتين إلى الأجندة السياسية الأوروبية، في وقت تهدّد فيه السياسات الإسرائيلية على الأرض إمكانية تحقيقه.

يأتي هذا التحرك الأوروبي في وقت بالغ الأهمية، كونه يسبق الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل بأسابيع قليلة. وبالتالي، لا يمكن استبعاد احتمال أن يكون البيان أداة ضغط على الحكومة الإسرائيلية الحالية، لا سيّما وأنه يستهدف إحدى القضايا المركزية في سياسات حكومة بنيامين نتنياهو، وهي التوسّع الاستيطاني و”ضمّ” الأراضي الفلسطينية.

بناءً على ذلك، فإن البيان المشترك لا يمثّل بديلاً كاملاً عن تعليق اتفاقية الشراكة، بقدر ما يعكس محاولة بعض الدول الأوروبية التحرك جماعياً عندما يتعذّر الوصول إلى إجماع أوروبي أوسع. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها في رفض التوسّع الاستيطاني والدفع نحو الحفاظ على حل الدولتين.

وستبقى فاعلية هذه الخطوة مرهونة بقدرة الدول المعنية على الانتقال من المواقف المعلنة إلى إجراءات عملية، وتحويل الضغط المحدود إلى سياسة أوروبية أكثر تماسكاً واتساقاً مع التزاماتها القانونية، وفرض كلفة سياسية واقتصادية على إسرائيل بسبب سياساتها الاستيطانية.

في المقابل، يحمل غياب غزة عن البيان دلالة سياسية لافتة، ولا سيّما في ظلّ الدور الذي يضطلع به “مجلس السلام” في ترتيبات مستقبل القطاع. فبينما يركز التحرك الأوروبي على حماية حل الدولتين ومواجهة التوسّع الاستيطاني في الضفة الغربية، لا يتناول بصورة مباشرة الأوضاع في غزة، بما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الدول الأوروبية على التأثير في الترتيبات التي تتشكّل لمستقبل القطاع، وما إذا كان التركيز على حل الدولتين يجري بمعزل عن التحولات الجارية على الأرض.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

بهاء غسان، «أوروبا: قيود على منتجات المستوطنات بدلاً من تعليق اتفاقية الشراكة»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1039/