مقالات

دبلوماسية إعادة الإعمار اليابانية في غزة وحدود النفوذ السياسي

د. هند سلطان باحثة زميلة
عرض الملف التعريفي

لم تعد القضية الفلسطينية بالنسبة إلى اليابان مجرد ملف إنساني أو قضية بعيدة عن أولويات سياستها الخارجية؛ فمنذ اندلاع الحرب في غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، توسّع الحضور الياباني من المساعدات الإنسانية إلى الانخراط في ملفات التعافي المبكر وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، حافظت طوكيو على موقفها التقليدي الداعم لحل الدولتين، لكنها لم تنتقل حتى الآن إلى الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين. وهنا يبرز سؤال مهم: هل تستطيع اليابان تحويل رصيدها التنموي والإنساني إلى نفوذ سياسي وقوة ناعمة في الشرق الأوسط، من دون الإخلال بعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل؟

من المساعدات إلى دبلوماسية إعادة الإعمار

قدّمت اليابان منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 نحو 230 مليون دولار من المساعدات للفلسطينيين، شملت مجالات إنسانية وتنموية، وهو ما يعكس استمراراً لسياسة طويلة الأمد في دعم فلسطين. غير أن التطور الأهم يتمثل في انتقال طوكيو تدريجياً من المساعدة الإنسانية إلى دبلوماسية إعادة الإعمار. ففي عام 2026 عيّنت السفير تاكيشي أوكوبو مسؤولاً عن المساعدة في إعادة إعمار غزة، وناقشت مع مصر سبل المساهمة اليابانية في جهود التعافي، قبل إطلاق مجموعة عمل مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة. كما توظف اليابان مؤتمر التعاون بين دول شرق آسيا من أجل التنمية الفلسطينية (CEAPAD)، لتعبئة الخبرات الآسيوية في بناء المؤسسات وتنمية الموارد البشرية، بما يمنحها دوراً يتجاوز تقديم المساعدات، ويمتدّ إلى دعم إعادة بناء الدولة الفلسطينية.

تطور الخطاب الياباني وحدود الاعتراف

من الخطأ تفسير تطور الخطاب الياباني باعتباره تحولاً إلى موقف مؤيد للاعتراف الفوري بالدولة الفلسطينية، فاليابان ما زالت تؤكد رسمياً التزامها بحل الدولتين، لكنها لم تعترف بفلسطين حتى الآن. وفي أيلول/ سبتمبر 2025 أوضح وزير الخارجية الياباني آنذاك، تاكيشي إيوايا، أن مسألة الاعتراف ليست بالنسبة إلى طوكيو مسألة “هل”، وإنما “متى”، مع التأكيد على أن الحكومة ستدرس التوقيت والظروف التي يمكن أن تسهم فعلياً في تحقيق حل الدولتين.

وفي المقابل، أصبح الخطاب الياباني أكثر وضوحاً في انتقاد بعض السياسات الإسرائيلية. ففي آب/ أغسطس 2026 أعربت وزارة الخارجية اليابانية عن قلقها العميق إزاء خطة البناء الاستيطاني في منطقة E1، وطالبت إسرائيل بالتراجع عن القرار وتجميد النشاط الاستيطاني، مؤكدة أن الأنشطة الاستيطانية تخالف القانون الدولي وتقوض إمكانية تطبيق حل الدولتين. وفي حزيران/ يونيو 2026 كان الموقف الياباني قد تضمّن بالفعل اعتراضاً واضحاً على استمرار التوسّع الاستيطاني وخطة E1.

وبالتالي، لا يتمثل التغيير الأساسي في انتقال اليابان من موقف أقرب إسرائيل، إلى موقف مؤيد لفلسطين، وإنما في توسيع مساحة النقد الموجه إلى السياسات الإسرائيلية التي تراها طوكيو مهدّدة لحل الدولتين، مع إبقاء الاعتراف الرسمي بفلسطين ضمن حسابات سياسية ودبلوماسية أوسع.

إسرائيل والولايات المتحدة: حدود الحركة اليابانية

يصعب فهم السياسة اليابانية تجاه فلسطين بمعزل عن التحول الأوسع في موقع اليابان الأمني والاستراتيجي. فمنذ اعتماد استراتيجية الأمن القومي اليابانية الجديدة عام 2022، أعادت طوكيو تعريف بيئتها الأمنية، معتبرة الصين أكبر تحدٍّ استراتيجي يواجهها، وهو ما دفعها إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، بما في ذلك قدرات الهجوم المضاد، وتوسيع التعاون العسكري والتكنولوجي مع الولايات المتحدة وشركائها. وبالتالي، لم يعد التحالف الياباني الأميركي مجرد إطار تقليدي للدفاع عن اليابان، بل أصبح أحد الأعمدة الرئيسية لاستراتيجية الردع اليابانية في مواجهة التحولات في ميزان القوى الآسيوي.

وفي هذا السياق، تكتسب العلاقات اليابانية-الإسرائيلية أهمية تتجاوز التعاون الاقتصادي؛ فقد تطورت خلال السنوات الأخيرة نحو تعاون أمني وتكنولوجي يشمل الحوار الدفاعي، والتقنيات الأمنية، والأمن السيبراني، وهي مجالات تتقاطع مع الأولويات الجديدة لليابان في بناء قدراتها الأمنية والتكنولوجية. وفي كانون الثاني/ يناير 2026 عقد البلدان جلسة المشاورات السياسية والعسكرية الخامسة (الحوار السياسي-العسكري) بين اليابان وإسرائيل، بينما واصلا في تموز/ يوليو 2026 المشاورات الاستراتيجية الثنائية.

ومن ثم، فإن هامش الحركة الياباني تجاه إسرائيل تحكمه شبكة من المصالح، وليس مجرد الرغبة في إرضاء واشنطن؛ فاليابان تحتاج إلى الحفاظ على تحالفها مع الولايات المتحدة في مواجهة الصين، وفي الوقت نفسه تسعى إلى تطوير علاقاتها مع إسرائيل في مجالات التكنولوجيا والأمن والدفاع. وهذا لا يمنع طوكيو من انتقاد إسرائيل، لكن الفارق المهم هنا أن الانتقاد السياسي لم يتحول حتى الآن إلى استخدام أدوات ضغط استراتيجية واسعة يمكن أن تغير بصورة جوهرية حسابات إسرائيل. ومع ذلك، لا يعني ذلك أن الدور الياباني يفتقر إلى التأثير، إذ تستطيع طوكيو توظيف رصيدها التنموي والإنساني وخبرتها في إعادة الإعمار وبناء المؤسسات لتعزيز حضورها الدبلوماسي ودعم مسار حل الدولتين. ومن ثم، فإن قدرة اليابان على تحويل قوتها الناعمة إلى نفوذ سياسي فعّال ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين طموحها للاضطلاع بدور أكبر في القضية الفلسطينية وبين القيود التي تفرضها علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ويبقى السؤال الأساسي هو: إلى أي مدى تستطيع اليابان الحفاظ على هذا التوازن وتحويل دبلوماسية إعادة الإعمار من أداة للمساعدة والتنمية، إلى مصدر لنفوذ سياسي حقيقي في الشرق الأوسط؟

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

د. هند سلطان، «دبلوماسية إعادة الإعمار اليابانية في غزة وحدود النفوذ السياسي»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1040/