مقالات

من التضامن إلى إعادة الاصطفاف: تطور سياسة فنزويلا تجاه فلسطين

تمثل فنزويلا إحدى أكثر حالات التحول الحديثة دراماتيكية في السياسة الخارجية لدول أميركا اللاتينية تجاه فلسطين. ففي عهد الرئيسين السابقين هوغو تشافيز (1999-2013)، ونيكولاس مادورو (2013– 2026)، تبنّت فنزويلا واحداً من أقوى المواقف المؤيدة لفلسطين في المنطقة. وقد ترسخت هذه السياسة ضمن الإطار الأيديولوجي الأوسع للثورة البوليفارية، التي قادها تشافيز منذ وصوله إلى السلطة لتبنّي الاشتراكية ومواجهة الولايات المتحدة الأميركية، والتي قدّمت فلسطين بوصفها رمزاً لمقاومة الإمبريالية والاستعمار والهيمنة الأميركية. وفي عام 2009، قطع تشافيز العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل عقب عمليتها العسكرية في غزة، بينما حافظت الحكومات الفنزويلية المتعاقبة على تضامن سياسي وثيق مع القضية الفلسطينية، كما دعمت الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.

تكمن أهمية التحول الأخير في أنه يتجاوز تحسّن العلاقات مع إسرائيل إلى تغيّر الأسس الجيوسياسية التي قامت عليها سياسة كاراكاس تجاه فلسطين. وجاءت نقطة التحول الحاسمة في كانون الثاني/ يناير 2026، حين ألقت القوات الأميركية القبض على نيكولاس مادورو، رئيس الجمهورية آنذاك، وأزاحته عن السلطة. ثم تولّت ديلسي رودريغيز (نائبة الرئيس منذ عام 2018(، الرئاسة بصفة مؤقتة، وسرعان ما توسّع النفوذ الأميركي على السياسة الفنزويلية. ويمكن توصيف ذلك بأنه انتقال من تركيز واشنطن السابق على تغيير النظام، إلى نموذج لانتزاع تنازلات اقتصادية وأمنية وجيوسياسية عبر أدوات الإكراه والضغط.

تبنت حكومة رودريغيز نهجاً أكثر براغماتية بدرجة كبيرة في علاقاتها مع واشنطن. وعلى الرغم من أنها أدانت العملية الأميركية في البداية، فإن حكومتها اتجهت نحو التعاون مع إدارة ترامب، بما في ذلك التفاوض بشأن النفط والسياسة الاقتصادية. وبحلول كانون الثاني/ يناير 2026، قال مسؤولون أميركيون إن واشنطن تتمتع بـ “أقصى نفوذ” على السلطات المؤقتة في فنزويلا. وتكتسب هذه التبعية المتزايدة أهمية لأن الاقتصاد الفنزويلي لا يزال يعتمد اعتماداً كبيراً على قطاع النفط. وبحلول آب/ أغسطس 2026، توصلت كاراكاس وواشنطن إلى اتفاق كبير وطويل الأجل في مجال الطاقة لتطوير حقول النفط الفنزويلية بمشاركة أميركية واسعة. ومن ثم، لم يؤدِ التدخل الأميركي إلى تغيير القيادة فحسب، بل غيّر أيضاً البيئة الاستراتيجية التي تُصاغ ضمنها السياسة الخارجية الفنزويلية.

أصبحت التداعيات على فلسطين أكثر وضوحاً، ففي أعقاب الزلازل القوية التي ضربت فنزويلا في 24 حزيران/ يونيو 2026، أُرسلت إلى البلاد بعثة إسرائيلية للمساعدات ضمّت مستشارين عسكريين ودبلوماسيين، وشملت البعثة السفير يوئيد ماغين، وهو دبلوماسي إسرائيلي نشأ في فنزويلا، والعميد إلعاد إدري، رئيس أركان قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وهي هيئة عسكرية مسؤولة عن الحماية المدنية، والاستعداد للطوارئ، وإرشاد السكان، وعمليات البحث والإنقاذ. وفي 8 تموز/ يوليو 2026، التقت رودريغيز بجدعون ساعر، وزير الخارجية الإسرائيلي، في كاراكاس، عاصمة فنزويلا، وخلال اللقاء، طلبت تمديد إقامة البعثة. وقد مثّلت هذه التطورات الخطوات الأولى نحو تحسن العلاقات بين البلدين، رغم عدم استعادة العلاقات الدبلوماسية رسمياً.

في 11 آب/ أغسطس 2026، أعلنت فنزويلا وإسرائيل عن آلية لاستعادة الخدمات القنصلية ومواصلة التعاون الفني الثنائي. ورغم أن ذلك لا يُعد حتى الآن استعادةً كاملةً للعلاقات الدبلوماسية، فإنه يمثل ابتعاداً مهماً عن الموقف الذي أرساه تشافيز عام 2009. ويكتسب توقيت هذه الخطوة أهمية خاصة، إذ جاءت بعد أشهر قليلة من التدخل الذي قادته الولايات المتحدة، وفي خضم التقارب الأوسع بين فنزويلا وواشنطن.

وعليه، توضح فنزويلا كيف يمكن للسياسة تجاه فلسطين أن تعمل بوصفها جزءاً من توجه جيوسياسي أوسع، لا باعتبارها قضية منفصلة في السياسة الخارجية. ففي عهدي تشافيز ومادورو، ارتبطت معارضة إسرائيل في فنزويلا ارتباطاً وثيقاً بمعارضة الهيمنة الأميركية والتضامن مع دول الجنوب العالمي. أما بعد إزاحة مادورو، فقد أدت زيادة اعتماد فنزويلا على واشنطن، تعاظم ارتباطها الاقتصادي بالمصالح الأميركية، وتقاربها مع إسرائيل إلى تحدي هذا الاصطفاف. ومن ثم، أسهم التدخل الأميركي في هذا التحول عبر إعادة تشكيل الظروف السياسية والجيوسياسية التي تُصاغ ضمنها سياسة فنزويلا تجاه فلسطين، من دون أن يفترض ذلك وجود إملاء أميركي مباشر لهذه السياسة.

ومع ذلك، لم تتلاشى العلاقات الدبلوماسية التاريخية بين فنزويلا وفلسطين بالكامل. ففي 27 نيسان/ أبريل 2026، التقى ماهر طه، سفير فنزويلا لدى دولة فلسطين، عمر عوض الله، مساعد وزير الخارجية الفلسطيني، لإحياء الذكرى السابعة عشرة لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وخلال اللقاء، سلّم السفير طه رسمياً رسالة موقعة من إيفان خيل بينتو، وزير خارجية فنزويلا، موجهة إلى نظيرته الفلسطينية، فارسين أغابكيان شاهين. ويشير استمرار هذه الاتصالات الدبلوماسية إلى أن تقارب فنزويلا مع إسرائيل لم يؤدِ حتى الآن إلى التخلّي الكامل عن علاقتها بفلسطين. ومن ثم، يعكس استمرار العلاقات الرسمية مع فلسطين بالتوازي مع التقارب المتجدّد مع إسرائيل مرحلة انتقالية أكثر تعقيداً في السياسة الخارجية الفنزويلية، تتعايش فيها العلاقات الدبلوماسية الراسخة مع إعادة اصطفاف جيوسياسي أوسع. وفي هذا السياق، تبدو القضية الفلسطينية جزءاً من عملية موازنة دبلوماسية أوسع، تحاول فيها كاركاس الحفاظ على علاقتها التاريخية مع فلسطين، بالتوازي مع إعادة تموضعها تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

سمر نخلة، «من التضامن إلى إعادة الاصطفاف: تطور سياسة فنزويلا تجاه فلسطين»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1044/