مقالات

جنوب إفريقيا والكونغو: مسارات إسرائيلية لمواجهة تراجع النفوذ

دينا رجائي باحثة زميلة
عرض الملف التعريفي

تشهد الساحة الإفريقية تفاعلات مختلفة مع إسرائيل، بين تصاعد حملات المقاطعة الشعبية في جنوب إفريقيا، ومحاولات إسرائيلية لاختراق هذا الموقف عبر أدوات القوة الناعمة، وبين اتجاه إسرائيل إلى التعاون الدبلوماسي مع جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحقيق مزيد من التقارب، في ظل حسابات دينية وجيوسياسية متشابكة. ويخلص هذا المقال إلى أن هذه التطورات تكشف عن الصراع على النفوذ والسردية في إفريقيا، التي تتجاوز المحافل الدولية، لتشمل الشارع والمجتمع المدني والعلاقات الدبلوماسية.

تحركات إسرائيلية في جنوب إفريقيا

أصدرت المحكمة العليا في الكيب الغربي (العاصمة التشريعية لجنوب إفريقيا)، في 4 أيلول/ سبتمبر 2026، حكماً يمنع نشطاء حملة التضامن مع فلسطين (PSC) من توجيه ادّعاءات تشهيرية تربط شركة كيب يونيون مارت (Cape Union Mart) أو علاماتها التجارية، أو رئيس مجلس إدارتها فيليب كراويتز، بدعم إسرائيل أو تمويل الإبادة الجماعية في غزة أو قتل الأطفال. وجاء الحكم بعد نحو عامين من الاحتجاجات الأسبوعية (غالباً كل سبت) أمام متاجر الشركة منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، حيث يتهم المتظاهرون كراويتز بصلات بمنظمات تدعم إسرائيل، وزعم الفريق القانوني الموكّل بالدفاع عن الشركة أن هذه الادعاءات تسبّبت في ضرر مستمر لسمعة كراويتز والشركة.

رأت المحكمة أن هذه الادعاءات تفتقر إلى أدلة كافية، وأكدت في الوقت نفسه أن الحكم لا يحظر انتقاد إسرائيل أو الدعوة إلى المقاطعة أو الاحتجاجات القانونية المنظّمة، ورحبت الشركة بالحكم، بينما أعلن منسق الحملة يوسف شيكت استمرار المقاطعة والاحتجاجات ضد الشركة ضمن الإطار القانوني، إذ لم تصدر المحكمة أمراً يحظر المقاطعة أو الاحتجاجات القانونية نفسها. ويأتي هذا القرار القضائي بعد إجراءات أمنية سابقة فرضت فيها الشرطة حدوداً للمسافة التي يُسمح للمتظاهرين بالاقتراب ضمنها من متاجر الشركة.

وفي سياق متصل، في 2 أيلول/ سبتمبر 2026 نشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية عبر حسابها الرسمي على منصة X، خبر زيارة وفد ممن أسمتهم “ملكات وأميرات جنوب إفريقيات” إلى إسرائيل، حيث ركزت الزيارة على الابتكار والتكنولوجيا، بالإضافة إلى زيارتهن أماكن دينية، وتأتي هذه الزيارة في وقت تواجه فيه إسرائيل دعوى أقامتها جنوب إفريقيا ضدها في محكمة العدل الدولية في العام 2023، تتهمها فيها بارتكاب الإبادة الجماعية في غزة. وقد أثارت الزيارة ردود فعل متباينة داخل جنوب إفريقيا وتساؤلات بشأن الموقف الحكومي الرسمي من الزيارة، وما إذا كانت تعبّر عن موقف رسمي أم أنها مبادرة منفصلة عن الحكومة، ولم تصدر حكومة جنوب إفريقيا أي بيان رسمي يعلّق على هذه الزيارة.

توضح هذه الأحداث المتزامنة طبيعة الصراع على السردية والتأثير، ففي قضية “كيب يونيون مارت” لم يقتصر أثر حملة التضامن على إحداث ضغط عابر؛ إذ أسهم الاستمرار في الاحتجاج والالتزام بالحضور الأسبوعي في إبقاء المقاطعة حاضرة وضمان انتظام حضور السردية الفلسطينية على الساحة، مما شكل ضغطاً تشغيلياً مستمراً ومزعجاً على فروع الشركة ودفعها للجوء إلى القضاء. وفي المقابل، عكست زيارة الوفد محاولات إسرائيلية حثيثة لتصدير صورة توحي بأن المجتمعات المحلية تتسم بالمرونة في علاقاتها مع إسرائيل، في خطوة لإثارة بلبلة في الرأي العام ولغط حول التناقضات الداخلية في الموقف الجنوب إفريقي، وللتشويش على الموقف الرسمي الذي تقوده بريتوريا ضدها في محكمة العدل الدولية.

تقارب دبلوماسي كونغولي مع إسرائيل

من جهة ثانية، أعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية في 3 أيلول/ سبتمبر 2026 عزمها نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، على أن تفتح إسرائيل، في المقابل، سفارة مقيمة في كينشاسا، وجاء ذلك بعد لقاء الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسكيدي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس.

وتعود جذور هذا الإعلان إلى عام 2020، عندما أعلن الرئيس الكونغولي عن خطط لتعيين سفير لدى إسرائيل بعد انقطاع دام عقدين. ومنذ ذلك الحين شهدت العلاقات بين الجانبين توسعاً متزايداً، حيث زار الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ العاصمة كينشاسا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، كما سبق أن عبّر الرئيس تشيسيكيدي عن دعمه لإسرائيل، رابطاً ذلك بـ “قناعاته المسيحية”، وحرصه على الحصول على دعم من الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة تمردات داخلية.

يتضح مما سبق أن المشهد الإفريقي يتحرك بين اتجاهات متعارضة؛ ما بين استمرار المقاطعة والضغط الشعبي في جنوب إفريقيا، ومحاولات إسرائيلية للتأثير في دوائر اجتماعية محلية، في مقابل تقارب دبلوماسي متزايد مع دول مثل الكونغو الديمقراطية. وتبقى هذه الديناميكيات مرتبطة بمصالح كل دولة، وبقدرة إسرائيل على العمل في مسارات متوازية؛ من القوة الناعمة والتواصل المجتمعي إلى توظيف الروابط الدينية والمصالح الجيوسياسية. ويكشف ذلك أن التنافس على الساحة الإفريقية لم يعد محصوراً في المحاكم والمنصات الأممية، بل امتد ليشمل المجتمع المدني والعلاقات الدبلوماسية وشبكات التأثير السياسي أيضاًَ.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

دينا رجائي، «جنوب إفريقيا والكونغو: مسارات إسرائيلية لمواجهة تراجع النفوذ»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1045/