مقالات

منع عباس وحضور نتنياهو: الرسالة الأميركية في الجمعية العامة للأمم المتحدة

تالا غنايم باحثة زميلة
عرض الملف التعريفي

رفضت الولايات المتحدة الأميركية منح تأشيرات دخول للرئيس الفلسطيني محمود عباس ومسؤولين فلسطينيين آخرين للمشاركة في المناقشة العامة رفيعة المستوى في الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة اليوم 22 أيلول/ سبتمبر 2026. وهذه هي السنة الثانية على التوالي التي ترفض فيها واشنطن منح عباس تأشيرة تتيح له المشاركة شخصياً في اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك.

بموازاة ذلك، يُتوقع أن يحضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على الرغم من مذكرة التوقيف التي أصدرتها بحقه المحكمة الجنائية الدولية (ICC). ويعكس هذا التفاوت سياسة أميركية أوسع باتت في ظلها المشاركة الفلسطينية مشروطة على نحو متزايد؛ إذ تفرض واشنطن المسارات التي تشرف عليها، بينما تعاقب المساعي الدبلوماسية المستقلة الرامية إلى نيل الاعتراف وتحقيق المساءلة القانونية.

تكريس السابقة السياسية

في عام 2025، رفضت واشنطن منح تأشيرات لعباس ونحو 80 مسؤولاً فلسطينياً آخرين أو ألغت تأشيراتهم، وردّت الجمعية العامة عبر التصويت بأغلبية 145 صوتاً مقابل 5 أصوات للسماح لعباس بإلقاء كلمة مسجلة مسبقاً. وقد تزامن هذا الرفض مع مؤتمر للأمم المتحدة قادته فرنسا والمملكة العربية السعودية بشأن تنفيذ حل الدولتين، وقاطعته الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين شهد “أسبوع الجمعية العامة” اعتراف عدد من حلفاء واشنطن، من بينهم فرنسا وكندا والمملكة المتحدة، بدولة فلسطين.

إن تجديد القيود في عام 2026 يحوّل إجراءً استثنائياً إلى ممارسة سياسية متكررة، ويغدو الوصول إلى الأمم المتحدة – التي تتخذ من نيويورك مقراً لها – وسيلة أخرى للضغط على القادة الفلسطينيين عندما يمارسون الدبلوماسية خارج العمليات الدبلوماسية التي تديرها الولايات المتحدة أو بما يتعارض مع توجهات السياسة الأميركية.

لماذا فرضت واشنطن القيود؟

قالت وزارة الخارجية إن القيود جاءت عقب ما زعمت أنه “عدم وفاء” من قبل منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بالتزاماتهما بموجب القانون الأميركي، واتهمتهما بمحاولة “تدويل” الصراع من خلال المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، وبالسعي إلى “تجاوز المفاوضات” عبر طلب الاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية، كما كررت واشنطن مزاعم استمرار السلطة في دفع المخصصات المالية و”تمجيد الإرهاب”، وما قالت إنّه “إخفاق في الإصلاح”.

تُعد الإشارة إلى “تجاوز المفاوضات” عنصراً أساسياً في فهم هذه السياسة؛ فهي تضع المساعي الفلسطينية للحصول على الاعتراف أو طلب المساءلة القانونية خارج العملية الدبلوماسية التي تعدّها واشنطن “مشروعة”، حتى عندما تُبذل هذه المساعي من خلال المؤسسات الدولية.

الإصلاح والاعتراف والعدالة الدولية

غير أن تبرير واشنطن يستدعي التمحيص؛ فقد كانت السلطة الفلسطينية قد اتخذت خطوات استجابة لدعوات دولية، بما فيها دعوات من واشنطن، إلى سلطة “متجدّدة” وخاضعة للإصلاح؛ ففي عام 2024، عيّن عباس حكومة تكنوقراط مؤقتة برئاسة محمد مصطفى، وكُلّفت بالإصلاح المؤسسي وإعادة إعمار غزة وتوحيد الحكم في غزة والضفة الغربية.

أصبح اعتراض واشنطن على الدبلوماسية الفلسطينية خارج المسارات التي تقودها الولايات المتحدة أكثر وضوحاً في شباط/ فبراير 2025، عندما أصدر ترامب أمراً تنفيذياً يُجيز فرض عقوبات على أشخاص يشاركون في إجراءات للمحكمة الجنائية الدولية ضدّ أميركيين أو مسؤولين ومواطنين من دول حليفة مشمولة بالأمر (ومنها إسرائيل)، أو يقدمون دعماً مادياً لتلك الإجراءات. وفي وقت لاحق، فرضت وزارة الخارجية عقوبات بالحرمان من التأشيرات على مسؤولي منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، مستشهدة بتعاملهم مع المحاكم الدولية وسعيهم إلى إقامة الدولة الفلسطينية.

جاءت هذه الإجراءات في وقت اضطلعت فيه المحاكم الدولية بدور أكبر في الصراع. ففي عام 2024، أمرت محكمة العدل الدولية (ICJ) إسرائيل باتخاذ تدابير مؤقتة لمنع الإبادة الجماعية في قضية جنوب إفريقيا ضد إسرائيل. وعلى نحو منفصل، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية (ICC) في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق نتنياهو ووزير الأمن السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وقد واصلت منظمة التحرير الفلسطينية السير في هذا المسار القانوني في تموز/ يوليو 2026، عبر إنشاء المرصد الوطني الفلسطيني لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية المزعومة وإعداد ملفات للإجراءات الدولية.

ومن ثم، يكشف الموقف الأميركي عن معاملة سياسية مختلفة للمسارين، فالمسؤولون الفلسطينيون يُحرمون من التأشيرات، ضمن أسباب تشمل تعاملهم مع المؤسسات القانونية الدولية، فيما يُتوقّع أن يدخل نتنياهو الولايات المتحدة ويلقي كلمته رغم صدور مذكرة توقيف بحقّه، ولا تترتّب على واشنطن في هذه الحالة الالتزامات نفسها الواقعة على الدول الأطراف في نظام روما، إذ إن الولايات المتحدة ليست طرفاً فيه.

كما تثير هذه السياسة تساؤلاً بشأن اتساقها مع ترويج ترامب لمجلس السلام بوصفه مساراً لإعادة إعمار غزة وترتيبات حكمها المستقبلية، حيث تسعى واشنطن إلى حشد الدعم لإطار تقوده الولايات المتحدة، بينما تعاقب الدبلوماسية الفلسطينية التي تجري خارجه. ولذلك، فالمسألة ليست ببساطة ما إذا كان الفلسطينيون يشاركون في الدبلوماسية، بل ما إذا كانوا يفعلون ذلك من خلال المؤسسات والممثلين والمسارات التي تقبلها واشنطن.

الدبلوماسية الفلسطينية وفق شروط واشنطن

رداً على القيود، صوّتت الجمعية العامة بأغلبية 152 صوتاً مقابل 3 أصوات، مع امتناع أربعة أعضاء عن التصويت، لإتاحة مشاركة الوفد الفلسطيني رفيع المستوى افتراضياً خلال الدورة الحادية والثمانين عندما تحول قيود التأشيرات دون حضوره شخصياً.

وعلى نطاق أوسع، يعكس حظر التأشيرات تراتبية تفضّل فيها واشنطن المسارات الدبلوماسية التي تقودها بنفسها أو تشرف عليها في التعامل مع القضية الفلسطينية، بينما تفرض قيوداً على تحركات فلسطينية مستقلة للحصول على الاعتراف أو اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية. ويكشف الحضور المتوقع لنتنياهو هذه اللامساواة بصورة أوضح؛ إذ يستطيع زعيم إسرائيلي صدرت بحقّه مذكرة توقيف عن المحكمة الجنائية الدولية أن يخاطب الأمم المتحدة شخصياً، بينما يُمنع المسؤولون الفلسطينيون من الدخول بسبب تعاملهم مع المؤسسات القانونية الدولية، ويتمثّل أثر ذلك في رفع كلفة اللجوء إلى قنوات دبلوماسية وقانونية تقع خارج المسارات التي تقودها أو تقبلها واشنطن.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

تالا غنايم، «منع عباس وحضور نتنياهو: الرسالة الأميركية في الجمعية العامة للأمم المتحدة»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1046/