مقالات

التصور الإسرائيلي الجديد لشرق الجولان المحتل

عبد القادر بدوي باحث زميل
عرض الملف التعريفي

منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وسّعت إسرائيل نطاق سيطرتها العسكرية في جنوب سورية، حيث احتلّ الجيش الإسرائيلي منطقة الفصل الناشئة عن اتفاق عام 1974، وسيطر على مواقع إضافية في جبل الشيخ السوري. وقد قدّمت إسرائيل الخطوة، في أيامها الأولى، باعتبارها عملية “محدودة ومؤقتة” فرضتها التطورات الأمنية، فيما أكدت “قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك” أن دخول الجيش الإسرائيلي منطقة الفصل يخالف الاتفاق القائم بين سورية وإسرائيل. وبعد أقل من عامين، استخدم بنيامين نتنياهو لغة مختلفة تماماً عندما أعلن في تموز/ يوليو 2026 أن “غلاف الجولان” بات داخل سورية، معتبراً ذلك بأنه “التصور الجديد” الذي تنتقل بموجبه إسرائيل من “الاحتواء” إلى “المبادرة والهجوم”.

تكشف المسافة بين هذين الوصفين “التصور المؤقت” و”التصور الجديد”، جوهر التحول الإسرائيلي تجاه سورية؛ فإسرائيل التي احتلت معظم الجولان عام 1967 وتعاملت معه لعقود باعتباره عمقاً استراتيجياً، تسعى من خلال تحركاتها العسكرية الأخيرة لنقل “خط الدفاع” عن الجولان إلى مناطق تقع شرقه، وبهذا المعنى، يطرح الوجود الإسرائيلي بعد سقوط الأسد سؤالاً يتجاوز مستقبل المواقع العسكرية التي أقامتها في سورية بعد سقوط الأسد.

من احتلال الجولان إلى اعتراف ترامب

بعد حرب عام 1967، احتلت إسرائيل معظم هضبة الجولان السورية، ثم أعادت حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 فتح الجبهة من جديد، قبل أن توقع في 31 أيار/ مايو 1974 مع سورية اتفاق “فصل القوات”، وبموجب الاتفاق، تم وضع القوات الإسرائيلية غرب الخط A والقوات السورية شرق الخط  B، وأقام بينهما منطقة فصل تخضع للإدارة المدنية السورية ولا يسمح فيها بوجود قوة عسكرية، كما أعاد الاتفاق أيضاً مناطق بينها القنيطرة وأجزاء من جبل الشيخ إلى الإدارة السورية، وظلّ هذا النظام الأمني، رغم غياب معاهدة سلام واستمرار الاحتلال للجولان، الإطار الذي حكم الجبهة هذه لنحو نصف قرن.

وفي كانون الأول/ديسمبر 1981، أقدمت إسرائيل على ضمّ الجولان، وهو ما يعني تطبيق “قانون الدولة وولايتها وإدارتها” على كامل المنطقة، وعلى الرغم من أن القانون نفسه لم يستخدم لفظة “الضم”، لكن مجلس الأمن أصدر بعد ثلاثة أيام القرار 497 بالإجماع، معتبراً القرار الإسرائيلي “باطلاً ولاغياً ومن دون أثر قانوني دولي”، وأكد استمرار انطباق قواعد الاحتلال على الجولان السوري.

وقد حدث تحول إضافي في العام 2019، حينما اعترف الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسمياً بـ “السيادة الإسرائيلية على الجولان”، مستنداً إلى الادّعاءات الأمنية الإسرائيلية، وهو ما اعتبرته الكثير من الأوساط الإسرائيلية حينها قراراً استراتيجياً لـ “الدفاع عن شمالي إسرائيل”، معتبرة أن الاحتفاظ به يوفر تفوقاً طبوغرافياً وإنذاراً مبكراً وعمقاً استراتيجياً، وأن هذا الاعتراف الأميركي أضعف عملياً معادلة “الأرض مقابل السلام”.

سقوط نظام الأسد وتوسيع الاحتلال

مثّل سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر 2024 بداية مرحلة مختلفة، فقد توغّل الجيش الإسرائيلي داخل منطقة الفصل، واحتلّ مواقع في جبل الشيخ، ثم شنّ عدواناً عسكرياً واسعاً ضدّ قدرات الجيش السوري، وقد وصفت بعض مراكز الأبحاث الإسرائيلية هذه الخطوة بأنها “إنشاء خط دفاع جديد شرق خط الفصل السابق لعام 1974″، وتوسيع “القبضة الدفاعية” على مواقع حيوية تمنحه التأثير في عمق الأراضي السورية واللبنانية مستقبلاً، وذلك بالاستفادة من سقوط النظام.

وقد تطورت هذه الممارسات لتصبح جزءاً من مفهوم “الدفاع الأمامي”، وبموجبه، لم يعد الجيش ينتظر التهديد على الخط الذي يفصل الجولان عن سورية، بل يدفع قواته إلى الأمام لمنع تشكله من الأصل، وذلك استناداً إلى اتجاه مفاده أن الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية على المنطقة العازلة وقمة جبل الشيخ وحرية العمل الجوي والبري داخل سورية، تشكل “أصول ملموسة تضمن حرية العمل الأمني” في القراءة الإسرائيلية، وأن هذه “الأصول” أهم بكثير من اتفاق لا تثق إسرائيل باستمراره.

وفي هذا السياق تبرز المطامع الإسرائيلية التوسعية، فقد كانت إسرائيل قد برّرت احتلال الجولان طوال العقود الماضية بادّعاء الحاجة إلى “عمق استراتيجي” و”حدود قابلة للدفاع”، لكنها ترى اليوم أن العمق الذي وفره الجولان نفسه لم يعد كافياً، وهو ما عبّر عنه نتنياهو حينما قال بأن “غلاف الجولان أصبح داخل سورية”، وهو ما يعني أن التفكير الإسرائيلي بات يمثّل خطين متوازيين، الأول تعتبره إسرائيل حداً لسيادتها في الجولان، والثاني، خط “أمني متحرك” يمتد شرقاً داخل الأراضي السورية.

التفاوض على خريطتين!

مقابل المطامع التوسعية الإسرائيلية، تظهر المقاربة السورية الجديدة، والتي عبّر عنها الرئيس السوري أحمد الشرع في تصريحاته الأخيرة، ففي 22 أيلول/سبتمبر 2026، قال إن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل اقتربت، وفق روايته، من إنجاز 90% من التفاهمات قبل أن تتراجع الأخيرة، وحدد الشرع مساراً يبدأ بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 والعودة إلى ترتيبات 1974، ثم التفاوض على ترتيبات أمنية، وبعد ذلك يمكن بحث اتفاق “سلام دائم” وفصل قضية الجولان عن هذه المرحلة، مؤكداً أنه أرض سورية وفق الموقف الدولي، وأن ملكيته ليست موضوعاً للتفاوض.

وقد كرر الشرع الموقف أمام الجمعية العامة في اليوم التالي، وقوبل هذا الموقف برد من “وزير الأمن” الإسرائيلي يسرائيل كاتس بالقول إن “الجولان جزء أبدي لا يتجزأ من إسرائيل”، مؤكداً أن الجيش لن ينسحب من جبل الشيخ و”المنطقة الأمنية” الناشئة، بالإضافة إلى استخدام نتنياهو “رواية توراتية” عن الجولان في رسالة وجهها للشرع من منصة الأمم المتحدة قبل عدة أيام حينما قال: “إن اليهود موجودون في الجولان منذ أيام موسى”. يزداد هذا التناقض تعقيداً بالنظر إلى موقف واشنطن، لا سيما بعد منح ترامب إسرائيل اعترافاً أميركياً بـ “السيادة على الجولان” عام 2019، قبل أن تبنّى إدارته الثانية بعد سقوط نظام الأسد سياسة تسعى إلى إعادة دمج سورية الجديدة، والدفع باتجاه خطوات ملموسة نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ضمن أولوياتها في مسار تخفيف العقوبات.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن دمشق وتل أبيب تبدوان وكأنهما تجريان التفاوض من خريطتين مختلفتين؛ بموجب ذلك، تريد دمشق استعادة الوضع الناشئ بعد الحرب عام 1974 أولاً، مع الإبقاء على الجولان قضية احتلال وسيادة سورية، أما إسرائيل فتتعامل مع الجولان باعتباره مسألة محسومة من جانبها، وربما تفكر في التفاوض على حجم “المجال الأمني” الذي تريد الاحتفاظ به إلى الشرق منه، ضمن أي ترتيبات مستقبلية باتجاه “التطبيع”، وهذا سيظلّ مرهوناً بموازين القوى الإقليمية التي تتحرك إلى حد كبير ضمن فلك حسابات الإدارة الأميركية في المنطقة.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

عبد القادر بدوي، «التصور الإسرائيلي الجديد لشرق الجولان المحتل»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1067/