مقالات

فلسطين في قمة بريكس: ما القيمة العملية لإعلان نيودلهي؟

د. هند سلطان باحثة زميلة
عرض الملف التعريفي

عقدت مجموعة بريكس، برئاسة الهند، قمتها الثامنة عشرة في نيودلهي يومي 12 و13 أيلول/ سبتمبر 2026، تحت عنوان “البناء من أجل المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة”، واعتمدت بالإجماع “إعلان نيودلهي” بوصفه الوثيقة السياسية الختامية للقمة. وقد حظيت القضية الفلسطينية في هذا الإعلان بمساحة واضحة، إذ أكد على وقف إطلاق النار في غزة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ورفض التهجير القسري للفلسطينيين، ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والعودة، فضلاً عن إعادة تأكيد دعم العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة وحل الدولتين على أساس حدود عام 1967، على أن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية. كما رفض الإعلان أي تغييرات جغرافية أو ديموغرافية في قطاع غزة، وأكد ضرورة احترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وأشار إلى التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

يطرح هذا الحضور الواضح للقضية الفلسطينية في قمة ترأسها الهند سؤالاً رئيسياً: إلى أي مدى يعكس إعلان نيودلهي تحولاً في موقف بريكس تجاه القضية الفلسطينية، وما الذي يفسر استمرار هذا التوافق داخل المجموعة في ظل اختلاف مواقف أعضائها تجاه إسرائيل؟ وتكتسب الإجابة عن هذا السؤال أهمية خاصة بالنظر إلى توسع بريكس وتنوع أعضائها، وإلى أن الدولة المضيفة للقمة نفسها تواصل تطوير علاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل. لذلك، تقتضي قراءة الإعلان مقارنته بمخرجات القمم السابقة، وفحص قيمته السياسية وقدرة بريكس على الانتقال من التوافق في البيانات إلى تأثير ملموس في مسار القضية الفلسطينية.

ومن هذه الزاوية، فإن اعتبار إعلان نيودلهي تحولاً مفاجئاً في موقف بريكس سيكون مبالغة. فالموقف الذي تضمنه الإعلان يمثل في جوهره استمراراً للمسار الذي اتخذته المجموعة في قمة ريو دي جانيرو عام 2025. فقد أكد إعلان ريو أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأعاد التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، ورفض التهجير القسري للفلسطينيين. كما دعا إلى دعم السلطة الفلسطينية وإعادة إعمار غزة، وربط إعادة الإعمار بالتوصل إلى تسوية سياسية عادلة ودائمة. وأكد الإعلان كذلك التمسّك بحل الدولتين والمرجعيات الدولية ذات الصلة.

وتكشف المقارنة بين إعلاني ريو ونيودلهي عن غلبة الاستمرارية على التحول؛ إذ حافظ إعلان 2026 على معظم المبادئ والصياغات التي ظهرت في ريو، وأضاف إليها عناصر مرتبطة بالتطورات التي شهدتها غزة منذ قمة 2025، وفي مقدمتها القرار 2803، ووقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، والتحذير من ترتيبات قد تشرعن الاحتلال أو تطيل أمده. كما كرّر الإعلان إدانة استخدام التجويع كأسلوب للحرب واستهداف المدنيين والمنشآت الصحية والبنية التحتية المدنية، وهو ما يؤكد استمرار ربط موقف بريكس بإطار القانون الدولي الإنساني.

وتبرز أهمية ذلك في ضوء طبيعة بريكس نفسها، فهي تضم دولاً ذات علاقات ومصالح متباينة تجاه إسرائيل والشرق الأوسط. ولذلك فإن التوافق على نص يتضمن هذه المواقف لا يعني بالضرورة وجود سياسة خارجية موحدة بين أعضاء بريكس تجاه إسرائيل، وإنما يعكس قدرة المجموعة على التوصل إلى حد أدنى مشترك في القضايا التي يمكن إدراجها ضمن إطار القانون الدولي والتعددية الدولية. ومن المهم هنا عدم الذهاب أبعد من الأدلة المتاحة بالقول إن دولة بعينها ضغطت على الهند لإدراج بند محدد في الإعلان؛ فلا توفر الوثائق العلنية المتاحة دليلاً كافياً لإسناد صياغة البنود الفلسطينية إلى ضغط مباشر من دولة محددة، والأدق هو فهم النص باعتباره حصيلة عملية توافق بين أعضاء لديهم مواقف ومصالح مختلفة.

وتوضح الحالة الهندية طبيعة هذا التوافق وحدوده، ففي شباط/ فبراير 2026، رفعت الهند وإسرائيل مستوى علاقاتهما إلى ما وصفته الحكومتان “بشراكة استراتيجية خاصة من أجل السلام والابتكار والازدهار”، مع التأكيد على توسيع التعاون في الدفاع والأمن والتكنولوجيا والأمن السيبراني والطاقة والتجارة والاستثمار وغيرها من المجالات، كما أكدت الحكومة الهندية أن الشراكة مع إسرائيل تشهد نمواً في عدد من المجالات الاستراتيجية.

ينسجم هذا السلوك مع سياسة هندية تقوم على تعدد الشراكات والاستقلالية الاستراتيجية، وبموجب هذه السياسة، تعمّق نيوديلهي تعاونها مع إسرائيل، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع الدول العربية وإيران وروسيا والصين، وتشارك في توافقات متعددة الأطراف تؤكد الحقوق الفلسطينية، وعليه، فإن ما كشفته قمة بريكس هو قدرة نيودلهي على الفصل النسبي بين التزاماتها في إطار المنظمات والتجمعات متعددة الأطراف وبين مصالحها في علاقاتها الثنائية.

ويبقى السؤال الأهم هو القيمة العملية لهذه المخرجات، حيث يمنح الإعلان القضية الفلسطينية حضوراً سياسياً إضافياً داخل دبلوماسية بريكس متعددة الأطراف، ويعيد تثبيت ارتباطها بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. لكن أثره التنفيذي يظلّ محدوداً، لأن الإعلان لا يُلزم الدول الأعضاء بإجراءات اقتصادية أو دبلوماسية موحدة تجاه إسرائيل، كما أن تباين مصالح الأعضاء يجعل الانتقال من التوافق السياسي إلى أدوات ضغط جماعية أكثر صعوبة.

لهذا، يمثّل إعلان نيودلهي استمراراً وتثبيتاً للموقف الجماعي لبريكس أكثر مما يمثّل تحولاً جذرياً فيه. وتكمن أهميته في قدرة مجموعة أكثر تنوعاً واتساعاً على الحفاظ على حدّ أدنى من التوافق حول الحقوق الفلسطينية، رغم اختلاف علاقات أعضائها بإسرائيل. ويبقى الاختبار فيما إذا كان هذا التوافق سيظلّ محصوراً في البيانات، أم سيتحول لاحقاً إلى تنسيق أكثر تأثيراً داخل المؤسسات الدولية.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

د. هند سلطان، «فلسطين في قمة بريكس: ما القيمة العملية لإعلان نيودلهي؟»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1068/