يأتي هذا المقال كفرصة لاستكمال ما سماه الدكتور خالد الحروب “مسك الختام” في الندوة الثانية من سلسلة “الشباب يتحدثون عن فلسطين في العالم” التي نظمها مركز قرار لأبحاث الشأن العام في 30 آب/ أغسطس 2026، لنقاش تحولات المواقف من القضية الفلسطينية في منطقة أميركا اللاتينية. حينها أعرب الحروب عن اهتمامه البالغ بالنقاط الخلافية المتعلقة بمفهوم الديمقراطية العريقة، واختلاف نموذجها في أوروبا عنه في أميركا اللاتينية. كانت مقولتي حينها أن من خلال نظرة بانورامية عريضة للتاريخ، نجد أن تجربة الديمقراطيات الاجتماعية في أميركا اللاتينية أنجح من نظيرتها في أوروبا. بالطبع، لا ألوم الحروب إن قال إن مثل هذا الادعاء فيه شيء من الإفراط، خاصة مع ما وصفه من الديمقراطيات الأوروبية العريقة في بريطانيا والسويد. ولهذا أريد أن أشرح موقفي بطريقة أكثر تحديداً.
الديمقراطيات الأميركية اللاتينية، خاصة المكسيك، هي نماذج من التنظيم الاجتماعي التي تعتمد في إنجاحها واستمراريتها على الشعب بذاته، ليس بناءً على موقع الدولة وحظوظها في النظام العالمي، كما هو الحال في بريطانيا التي ارتبط نظامها السياسي الأنجلوسكسوني بثلاثية الملك والإقطاع والشعب، قبل ارتباطه بالإمبراطورية، بخلاف المكسيك وغيرها من الدول اللاتينية التي لا يرتبط اسم ديمقراطيتها بغزو الآخرين. والسويد ديمقراطية تنظم حياة عشرة ملايين نسمة، بخلاف المكسيك التي يقع على عاتقها تنظيم حياة 133 مليون نسمة. وأوروبا ككل هي صاحبة الحربين العالميتين، بخلاف أميركا اللاتينية التي تندر في تاريخها الحروب بين الدول. هاتان الحربان، وخاصة الثانية، قامتا على مجيء النظام الفاشي من رحم الديمقراطية الاجتماعية الألمانية، وهذا فشل ذريع تحاول الأكاديميا الغربية، من خلال المدرسة ما بعد الحداثية ومدرسة فرانكفورت الماركسية، فهم أسبابه وعوامله حتى يومنا هذا.
حتى نعطي مقارنة فيها من المفارقة الواضحة بين المكسيك وأوروبا، يكفي أن المكسيك استقلت عن الإمبراطورية الإسبانية في السنة ذاتها التي اندلعت فيها الثورة اليونانية ضد السلطنة العثمانية عام 1821. فكان من نتيجة حرب الاستقلال المكسيكية تأسيس إمبراطورية مكسيكية ذات حكم ملكي لم تستمر سوى سنتين قبل انهيارها، ثم تحولت المكسيك، عبر دستور 1824، إلى الحكم الجمهوري وإعلان الولايات المتحدة المكسيكية. أما اليونان، التي تُعدّ مهد الديمقراطية، فهي لم تستقل إلا بمساعدة البريطانيين والفرنسيين والروس في معركة نافارين البحرية عام 1827، مما سمح لتلك القوى الثلاث بصياغة اتفاقية لندن عام 1832، “سايكس بيكو اليونانية”، التي سمحت بأن ينصّب الإنجليز والفرنسيون والروس على اليونان أمير بافاريا الألماني أوتو فريدريك لودفيغ ملكاً مطلقاً على اليونان لمدة ثلاثين عاماً، قبل خلعه ووقوع اليونان في عدم الاستقرار السياسي بين الملكيات الدستورية والجمهوريات المؤقتة والديكتاتوريات العسكرية، حتى استفتاء عام 1974 (القريب جداً من حاضرنا)، والذي أعلن فيه الشعب اليوناني عن رغبته في التحول إلى الحكم الجمهوري بشكل نهائي.
هذا لا يعني أن تاريخ النظام السياسي المكسيكي كان مثالياً؛ فقد أصبحت السيادة في مواجهة الخارج والحق في تقرير المصير جزءاً من عقيدة الدولة والمجتمع وتعريفهما للديمقراطية بعد تجارب مؤلمة في القرن التاسع عشر، من الغزو الأميركي للمكسيك، أو “النكبة المكسيكية” عام 1848، الحدث التاريخي الذي حوّل الولايات المتحدة إلى إمبريالية معلنة، متسبباً في فقدان المكسيك 55% من أراضيها، إلى ما تبعه من حرب أهلية بين المحافظين والليبراليين المكسيكيين بعد تبني الدستور الإصلاحي عام 1857، والتي انتهت بانتصار الإصلاحيين الليبراليين بقيادة بينيتو خواريز، قبل أن يتحالف المحافظون مع غزو نابليون الفرنسي للمكسيك عام 1861، وتأسيس الإمبراطورية المكسيكية الثانية التي نصّب الفرنسيون على عرشها الأمير النمساوي ماكسميليان هاسبورغ الأول (وهنا بالإمكان استقراء نمط متكرر لدى الدول الأوروبية في تنصيب الأمراء الألمان حكاماً على الشعوب الأخرى).
عملية استعادة الجمهورية تمت على موجتين، كلتاهما أسهمتا في تشكيل الهوية الديمقراطية المعاصرة للنظام السياسي المكسيكي. في البداية، كانت استعادة الجمهورية باستعادة السيادة الخارجية للمكسيك على يد بينيتو خواريز الذي انتصر على ماكسميلان عام 1867. أما الثانية، فكانت عملية تاريخية طويلة لاستعادة السيادة الشعبية في الداخل بعد استمرار الأزمات السياسية الداخلية، خاصة بسبب سيطرة رجل واحد على الحكم، وهو الجنرال بورفيريو دياز (أحد قادة المقاومة المكسيكية ضد الغزو الفرنسي)، من خلال إعادة الانتخاب والتحايل على الدستور في الفترة الممتدة من 1876 إلى 1910، العام الذي اندلعت فيه الثورة المكسيكية التي أنشأت الجمهورية الجديدة بعد تبني الدستور الاجتماعي عام 1917، وهو الدستور الأكثر تقدمية في زمنه، والذي أعطى الشعب المكسيكي في المادة (39) الحق في الثورة من أجل تغيير نظام الحكم بالكامل عندما يرى ذلك مناسباً.
مفهوم السيادة الشعبية في الداخل تلاحم مع مفهوم السيادة الوطنية في الخارج، خاصة بعد أن أصبح تآمر المحافظين مع الغزو الفرنسي عاراً تاريخياً غير مقبول في مجال النقاش العام في المجتمع السياسي المكسيكي. في عام 1930، تبنى وزير الخارجية المكسيكي جينارو استرادا عقيدته في السياسة الخارجية، التي ترفض التدخل في الشؤون السياسية للدول وحتى الاعتراف أو عدم الاعتراف بالحكومات الجديدة بوصفه شأناً داخلياً. وفي عام 1938، كانت المكسيك هي الدولة الوحيدة في عصبة الأمم التي صوتت ضد ضم ألمانيا النازية للنمسا (أحد التطورات التي أدت إلى تقويض العصبة وانهيار القانون الدولي قبيل الحرب العالمية الثانية).
في عام 1975، سنحت للمكسيك الفرصة لتطبيق هذه المبادئ في العلاقات الدولية في المنطقة العربية من خلال زيارة الرئيس لويس اتشيفيريا إلى مصر، الذي التقى بالإسكندرية مع الرئيس الراحل ياسر عرفات في اجتماع أسفر عن إقامة العلاقات الدبلوماسية بين المكسيك ومنظمة التحرير الفلسطينية. بعدها بشهرين، أكد الرئيس المكسيكي في خطابه أمام الأمم المتحدة ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967، وأن الحل في الشرق الأوسط يعتمد على حق الفلسطينيين في تقرير المصير. وفي الخطاب ذاته، أكد اتشيفيريا عقيدته القائمة على قيادة المكسيك نحو المزيد من الاستقلالية عن الجار الأميركي وتنويع العلاقات مع الجنوب العالمي، داعياً إلى إنشاء نظام اقتصادي جديد للعالم الثالث.
في التعديل الدستوري لعام 1989، قررت المكسيك تقنين مبادئها في العلاقات الدولية ورفع تلك المبادئ إلى رتبة الدستور في الهرم التشريعي في البلاد. ومنها جاءت الفقرة العاشرة من المادة (89) من الدستور، التي أوجبت على رئيس البلاد، خلال إدارته للسياسة الخارجية، الالتزام بجملة من المبادئ الدولية، منها حق الشعوب في تقرير المصير ورفض التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية. وفي الفترة بين عامي 2001 و2024، تبنت المكسيك ست تعديلات للمادة (2) من الدستور تؤكد الحق الداخلي في تقرير المصير للشعوب الأصيلة داخل المكسيك، ما عكس تطور الالتزام بتطبيق الحق في تقرير المصير داخلياً وخارجياً.
وفي عام 2011، أسس السياسي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور حركة التجديد الوطني “مورينا”، التي أدت إلى توحيد أحزاب وحركات اليسار في المكسيك وانتخاب حكومة يسارية عام 2018 على نحو غير مسبوق في التاريخ المكسيكي. وقال لوبيز أوبرادور، الذي بات رئيساً للبلاد حينها، إن حركته السياسية تنوي خلق التحول السياسي الرابع في المكسيك بعد إعلان الاستقلال عام 1810، والإصلاحات العلمانية عام 1857، والثورة المكسيكية عام 1910. هذا اليسار الجديد اتبع منهجاً تدريجياً ومستداماً في دعم الحقوق الفلسطينية، حتى وصل إلى الاعتراف الكامل بدولة فلسطين بعد رفع مستوى التمثيل الفلسطيني من بعثة خاصة إلى سفارة في آب/ أغسطس 2023، قبل ثلاثة أشهر من العدوان على غزة.
خلال الحرب، قدمت المكسيك إسهامات داعمة لفلسطين تحت العدوان. في 15 أيار/ مايو 2024، أحيت وزارة الخارجية المكسيكية ذكرى النكبة لأول مرة تاريخياً خلال فترة الوزيرة إليسا بارسينا، وبعدها بأسبوعين قدمت المكسيك إعلان تدخل دعماً لجنوب إفريقيا في قضية الإبادة الجماعية في غزة لدى محكمة العدل الدولية. وفي خريف 2024، تولت الرئيسة الجديدة المنتخبة عن الحزب الحاكم نفسه، كلاوديا شينباوم، الرئاسة، ومنذ ذلك الحين قالت في أكثر من محفل إن ما يحدث في غزة هو إبادة جماعية، وأدانت اعتراض الاحتلال لأسطول الصمود، وطالبت بالإفراج الفوري عن المتضامنين المكسيكيين بالأسطول، ورفضت دعوة ترامب إلى الانضمام إلى مجلس السلام في غزة.
إلا أنه منذ انتخاب ترامب وتوتيره العلاقات الدولية في كافة الأقاليم، في الشرق الأوسط وأوروبا وأميركا اللاتينية، اتخذت أحزاب اليمين المكسيكية موقفاً متماهياً مع الموقف الأميركي في دعم إسرائيل خلال الحرب، وعلى رأسها حزب الحراك الوطني (بان)، سواء على صعيد الولايات التي يحكمها هذا الحزب داخل النظام الفيدرالي المكسيكي، حيث استمرت حاكمة ولاية شيواوا مارو جالفان في تطبيق اتفاقية تعاون تقني في مجال الهندسة المائية مع وكالة التعاون (الماشاف) الإسرائيلية، مما أدى إلى مظاهرات للمتضامنين مع فلسطين في نيسان/ أبريل 2026، أو على الصعيد البرلماني المحلي عندما قدم حزب الحراك مشروعاً في كونغرس مدينة المكسيك (برلمان العاصمة فقط) لدعم خطة ترامب في غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2025، أو على الصعيد البرلماني الوطني عندما شكل حزب الحراك، من دون إعلان إعلامي واسع، لجنة الصداقة المكسيكية-الإسرائيلية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
أما الجديد في خطاب اليمين الشعبوي المعارض للحكومة في المكسيك والداعم لإسرائيل فيرتبط بالتحولات التي طرأت على سياسة ترامب العدائية داخل أميركا اللاتينية في الفترة السابقة. في آب/ أغسطس 2025، اتهمت المدعية العامة للولايات المتحدة الأميركية بام بوندي رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو بأنه على علاقة بعصابات المخدرات (كارتيلات) ولاية سينالوا في المكسيك، فردّت رئيسة المكسيك بأن هذه الادعاءات مثيرة للشفقة. وفي شباط/ فبراير 2026، بعد اغتيال الجيش وأجهزة الأمن المكسيكية “إل مانتشو” كارتيل ولاية خاليسكو، تم تضخيم الدور الأميركي في هذه العملية، وانتشرت شائعات بأن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو منح هذا الكارتيل هوية فنزويلية. وفي نيسان/ أبريل 2026، أصدرت محكمة مقاطعة نيويورك الجنوبية لائحة اتهام ضد حاكم ولاية سينالوا روبن روتشا بالتعاون مع الجريمة المنظمة. أما في حزيران من هذا العام، فألغت الولايات المتحدة تأشيرة أندي لوبيز بيلتران، ابن الرئيس المكسيكي السابق، كجزء من التضييقات الأميركية على المسؤولين المكسيكيين.
ليس الإشكال هنا التصرفات الأميركية الهادفة إلى تطبيق النموذج الفنزويلي لاعتقال مادورو على المكسيك (على صعيد الولايات إن لم يكن على صعيد الجمهورية ككل)، بل هو في احتفاء اليمين بما يراه اليد الحديدية الأميركية الضاربة التي يأمل أن تنقذ الشعب من عصابات المخدرات والفساد والحزب الحاكم. الجديد في هذا الموضوع هو كسر اليمين الشعبوي المكسيكي لمحظور سياسي معاصر في الثقافة السياسية المكسيكية، وهو الاحتفاء مرة أخرى بالتدخل الأجنبي، للمرة الأولى ربما منذ الغزو الفرنسي للمكسيك. الحرج الذي كان قائماً قبل عشر سنوات من التفريط بالسيادة الخارجية آخذ بالتلاشي، وهذا ما يفسر دعم هذا اليمين لكل من ترامب وإسرائيل.
هذا كله يعود إلى ما نسميه الأزمة الشعبوية العقابية في الديمقراطيات العريقة، وهذه الأزمة سلاح ذو حدين لدى إسرائيل في مجتمعات تلك الدول. فإذا كانت إسرائيل تنتظر هذا الخريف تصويتاً عقابياً من الشعب الأميركي لدى القوى المعارضة لدونالد ترامب في أميركا في الانتخابات النصفية بسبب عدم كفاءة إدارته، فهي تنتظر الاستفادة من الإجراءات الشعبوية العقابية من قبل المعارضة ضد الحزب الحاكم الحالي (خاصة مع استمرار المشاكل الاقتصادية والأمنية في المكسيك)، سواء من خلال صناديق الاقتراع في الجولات الانتخابية القادمة، أو، أسوأ من ذلك، من خلال الاحتفاء الشعبوي المحلي بضغط ترامب على السيادة المكسيكية. وهذا يؤدي إلى تناقض بين الدعم الشعبي الحقيقي لفلسطين في المكسيك والسخط الشعبوي الذي تؤججه القوى اليمينية في المكسيك ضد الأحزاب والتنظيمات التي يغلب عليها دعم فلسطين.
تتكرس الثنائية الجدلية للشعبي والشعبوي، بين الإعجاب الشعبي المكسيكي بصمود الشعب الفلسطيني، والإعجاب الشعبوي المكسيكي بأسطورة كفاءة الدولة الأميركية والدولة الإسرائيلية (بالمقارنة عما يقال من عدم كفاءة الحزب الحاكم). خلال نقاشنا مع الدكتور الحروب، كان هناك تأكيد لأهمية انتشار المسيحية الإنجيلية في ظهور اليمين الجديد في أميركا اللاتينية وضرورة إيجاد لاهوت فلسطيني بديل. لكن هناك عوامل أخرى غير دينية وراء حب اليمين الشعبوي لأميركا وإسرائيل، من بينها عامل التفسير الثقافوي للتنمية القائم على كراهية الذات الثقافية، والذي نعرفه جيداً في عالمنا العربي. عندما سئل مهاجر من أميركا الوسطى إلى الولايات المتحدة تمكن من النجاح في حياته (أي في الهروب الفردي) عن سبب “تفوق الأميركيين” و”تراجع المكسيكيين”، قال هذا اللاتيني المحب لأميركا: “الأميركيون اللاتينيون متأثرون بالإسبان المتأثرين بدورهم بالعرب، أما أميركا [الشمالية] فقد أسسها الأنجلوسكسون”.
moreed17، «الديمقراطية العريقة في المكسيك كأساس للموقف من القضية الفلسطينية»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1077/