مقالات

تركيا وإسرائيل: حدود القطيعة خلال الحرب على غزة

اتخذت تركيا منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 موقفاً متصاعداً تجاه إسرائيل، بدأ بالدعوة إلى “ضبط النفس وحماية المدنيين والعودة إلى مسار حل الدولتين”، قبل أن يتطور مع استمرار الحرب إلى انتقادات أكثر حدة على المستويات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والقانونية.

واصلت تركيا الدعوة إلى وقف الحرب على مدى قرابة ثلاثة أعوام، ويأتي خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول/ سبتمبر 2026، وما أشار إليه بخصوص الوضع في غزة، في سياق استمرار خروقات اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ منذ نحو العام.

يعيد هذا الخطاب، بما تضمنه، فتح ملف أوسع حول العلاقات التركية- الإسرائيلية، ومدى التحول الذي طرأ عليها فعلياً. فبينما تشير الإجراءات التركية إلى تراجع في العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين، يثير استمرار بعض مسارات المصالح، وفي مقدمتها تدفقات الطاقة، تساؤلات حول حدود هذا التراجع ومدى تحوله إلى قطيعة شاملة.

منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، اتخذت تركيا سلسلة من الخطوات تجاه إسرائيل، بدأت بتشديد موقفها الدبلوماسي واستدعاء سفيرها من تل أبيب، للتشاور في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، وفي أيار/ مايو 2024، أوقفت تركيا عمليات التصدير والاستيراد مع إسرائيل، مطالبةً بوقف الحرب والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.

ووفقاً لتقرير بنك إسرائيل لعام 2024، انعكس هذا القرار على حجم التجارة بين البلدين، إذ تراجعت الصادرات الإسرائيلية إلى تركيا خلال عام 2024 بنحو مليار دولار مقارنة بعام 2023، كما أسهم انخفاض الصادرات إلى تركيا في التراجع الإجمالي لصادرات المنتجات الكيميائية الإسرائيلية خلال العام نفسه. وانخفض حجم واردات المنتجات التركية من نحو 550 مليون دولار شهرياً، في بداية عام 2024، إلى نحو 100- 200 مليون دولار شهرياً بعد فرض الحظر.

كما تحركت تركيا على المستوى القانوني، في آب/ أغسطس 2024، إذ قدمت إعلاناً بالتدخل في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية المتعلقة باتفاقية منع الإبادة الجماعية، وبالتوازي، واصلت تركيا دعمها السياسي للقضية الفلسطينية والمطالبة بوقف إطلاق النار.

في المقابل، تبرز مسألة تصدير النفط من أذربيجان إلى إسرائيل عبر تركيا، حيث نشرت وكالة رويترز تقريراً يُشير إلى عدم توقف إمدادات النفط عن طريق الأراضي التركية، إذ أوردت: “لا تتحكم تركيا في مكان بيع نفط أذربيجان الذي يتم ضخه عبر خط الأنابيب باكو- تفليس- جيهان لكنها قالت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 إن المصدّرين الذين يستخدمون جيهان احترموا قرارها بإنهاء التجارة مع إسرائيل”.

وفي التقرير ذاته ذكرت رويترز أنه: “لا يتم تحميل النفط إلى إسرائيل كوجهة، غير أن بيانات كبلر أظهرت أن واردات إسرائيل من الخام الأذربيجاني من جيهان قفزت 31٪ على أساس سنوي، إلى 94 ألف برميل يومياً في العام 2025، وهي أعلى نسبة منذ عام 2022، مما يزيد من تقدمها على روسيا، ثاني أكبر مورد لإسرائيل”.

وتكشف مسألة تدفق النفط من أذربيجان إلى إسرائيل عبر الأراضي التركية عن تعقيد أكبر في قراءة السياسة التركية تجاه إسرائيل، فبينما اتخذت تركيا موقفاً رسمياً بوقف التجارة مع إسرائيل، واستمرت في خطابها المناهض للحرب على غزة، بقيت بعض المصالح والشبكات الإقليمية تعمل ضمن ترتيبات لا تتطابق بالضرورة بصورة كاملة مع الموقف السياسي المعلن.

لا تكفي هذه المعطيات، بمفردها، للاستنتاج بأن تركيا تتبنى سياسة داعمة لإسرائيل، لكنها تكشف عن وجود فجوة محتملة بين مستوى القطيعة السياسية المعلنة ومستوى تشابك المصالح والبنى التحتية الإقليمية، وبالتالي فإن فهم السياسة التركية تجاه إسرائيل يقتضي الانتقال من رصد الإجراءات التي اتخذتها تركيا إلى بحث محددات هذه السياسة.

يمكن فهم جانب من محددات السياسة التركية تجاه إسرائيل في سياق التحول الأوسع الذي شهدته السياسة الخارجية التركية، من الاندماج التدريجي مع المنظومة الأوروبية إلى حضور أوسع في غرب آسيا، لا سيما مع تعزيز تركيا نفوذها في سورية وتوسيع دورها في القضايا الإقليمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على روابطها مع الغرب.

ويأتي هذا الموقف في سياق رؤية أوسع لموقع تركيا في النظام الإقليمي والدولي، عبّر عنها أردوغان أيضاً في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين أعاد طرح مقولة “العالم أكبر من خمسة”، ووصف تركيا بأنها “جزيرة استقرار وسط الصراعات المحيطة”. وفي ذلك إشارة إلى رفضه حصر صناعة القرار الدولي في القوى الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن. ويمكن قراءة هذا الخطاب، في سياق السياسة الخارجية التركية الأوسع، بوصفه تعبيراً عن سعي تركيا إلى تقديم نفسها كقوة إقليمية.

ومن هذا المنطلق، لا تبدو السياسة التركية تجاه إسرائيل منفصلة عن إعادة تموضع تركيا الإقليمي، إذ تتقاطع القضية الفلسطينية مع طموحات تركيا في تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، الأمر الذي يخلق نقاط احتكاك مع إسرائيل في عدد من الملفات، في الوقت الذي تظل فيه المصالح الاقتصادية والجيوسياسية عاملاً يحد من تحول هذا الاحتكاك إلى قطيعة شاملة.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

بهاء غسان، «تركيا وإسرائيل: حدود القطيعة خلال الحرب على غزة»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1081/