مقالات

إسرائيل على رقعة الشطرنج المغاربية: مزيد من خلط الأوراق؟

دينا رجائي باحثة زميلة
عرض الملف التعريفي

شهدت الفترة الماضية عودة الرحلات الجوية المباشرة بين إسرائيل والمغرب، ورفع التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى سفارات كاملة وتبادل سفراء، وبيان ثلاثي أميركي- إسرائيلي- مغربي تعيد فيه الولايات المتحدة وإسرائيل تأكيد اعترافهما بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وقطع الجزائر علاقاتها بالإمارات وإغلاق مجالها الجوي أمام طائراتها. وفي ضوء هذه الأحداث يبرز سؤال في غاية الأهمية: هل نحن أمام سلسلة من الأحداث المتزامنة أم أمام إعادة تشكيل تدريجية لتوازنات المغرب العربي عبر شبكات جديدة من الشراكة والخصومة؟ يسعى هذا المقال إلى تفكيك مصلحة كل فاعل على حدة، ورصد نقاط التقاطع بين الفاعلين، ثم إعادة تركيب هذه المعطيات لفهم الصورة الإقليمية الأوسع وللإجابة عن هذا السؤال.

المغرب: من استئناف الرحلات إلى تثبيت التطبيع

في أواخر آب/ أغسطس 2026 وصلت وزيرة المواصلات الإسرائيلية ميري ريجيف إلى مراكش، على متن الرحلة التي شهدت استئناف الخط الجوي المباشر بين البلدين في توقيت بالغ الحساسية. كما أعلنت شركات إسرائيلية أخرى عن استئناف رحلاتها المباشرة إلى مراكش ابتداءً من أيلول/ سبتمبر 2026، وذلك بعد ثلاث سنوات توقفت خلالها الرحلات المباشرة بين إسرائيل والمغرب.

قابلت منظمات وفعاليات مغربية هذا الخبر باحتجاجات نددت باستئناف الرحلات المباشرة، ووصفت “الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع” هذه الخطوة في بيان لها بـ “الاستفزازية الخطيرة”، ولا يعني ذلك أن الاحتجاجات قادرة بذاتها على تعطيل القرار الرسمي، إلا أنه يوضح أن التطبيع ما زال يحمل كلفة سياسية داخلية، خصوصاً عندما ينتقل من اتصالات محدودة إلى مظاهر علنية متكررة، أما الحكومة فهي تتعامل مع هذه الاحتجاجات بصمت لتجنب تحويل كل خطوة إلى حملة احتفالية قد توسع مساحة الاعتراض، ويمكن القول إن هذه سمة بعض الحكومات المطبّعة إزاء المعارضة الداخلية (تقدّم رسمي واحتراز علني).

لم تكن عودة الرحلات الجوية المباشرة بين إسرائيل والمغرب مجرد خدمة جوية عادت بعد انقطاع، لأن الرحلات تكتسب أهميتها من خلال تقريب العلاقة بين الجانبين ونقلها إلى مستوى أكثر عمقاً. فقبل التوقف، كان التبادل السياحي بين المغرب وإسرائيل يمثّل أحد أبرز أوجه التطبيع الاجتماعية، حيث تشير تقديرات وزارة السياحة المغربية إلى أن نحو 200 ألف إسرائيلي زاروا المغرب في العام السابق لـ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مما يعكس أن هذه ليست رحلات عابرة، بل تعيد بناء قنوات اتصال بشرية واقتصادية يمكن أن تمنح التطبيع قدرة أكبر على الاستمرار.

الصحراء مقابل السفراء؟

لم يكن ربط مسار التطبيع بملف الصحراء الغربية وليد اللحظة، ففي تموز/ يوليو 2023 أعلنت إسرائيل اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، وردت الجزائر بأن ذلك خرقاً للقانون الدولي ولا يمنح ذلك شرعية للسيطرة على الإقليم.

وفي 16 أيلول/ سبتمبر 2026 صدر بيان ثلاثي أميركي- إسرائيلي- مغربي نقل العلاقة إلى مستوى مختلف، حيث أكد الاتفاق على رفع التمثيل الدبلوماسي إلى سفارات كاملة وتبادل السفراء بين المغرب وإسرائيل، واستئناف الرحلات المباشرة بواسطة شركات من البلدين قبل نهاية العام، إلى جانب إبرام اتفاقيتين لحماية الاستثمار وتجنب الازدواج الضريبي (مجموعة إجراءات تسهل الاستثمارات المتبادلة) بحلول نهاية العام 2026، وهذا يعني أن الاعتراف انتقل من إعلان منفرد إلى إطار مؤسسي أوسع.

اللافت أن البيان لم يعرض هذه الإجراءات كملفات منفصلة، بل أعادت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل تأكيد اعترافهما بسيادة المغرب على كامل الصحراء الغربية، وربط البيان هذا الموقف بتعاونات اقتصادية وأمنية وتقنية، ولذلك لا يمكن النظر إلى ملف الصحراء الغربية كأنه منفصل، وإنما هو يرتبط فعليا بمصالح أخرى بين الأطراف المعنية.

لماذا رأت الجزائر خيوطاً متشابكة خلف الاتفاقات؟

في 10 أيلول/ سبتمبر 2026 أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، وأغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات المدنية والعسكرية الإماراتية، مع استثناء مؤقت للرحلات التجارية حتى نهاية عام 2026. ورسمياً، بررت الجزائر القرار بسلسلة من “الأفعال الاستفزازية أو العدائية” من دون تقديم تفاصيل علنية محددة، بينما قالت الإمارات إنها تأمل أن يكون القرار مؤقتاً.

صحيح أن الإعلان الجزائري لم يتهم الإمارات مباشرة بتنفيذ تحرك محدد لصالح إسرائيل، ولا دليل علني يثبت أن إسرائيل كانت سبباً منفرداً للقطيعة، لكن التوتر لم ينشأ في فراغ، حيث أشارت بعض التقارير إلى “وجود خلافات متراكمة بين الجزائر والإمارات بشأن بعض القضايا الإقليمية، فترفض الجزائر تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، التي أقامت الإمارات والمغرب- جارتها ومنافستها- علاقات معها بموجب “اتفاقات أبراهام” التي توسطت فيها أميركا، كما تدعم الإمارات مطلب المغرب بسيادة الصحراء الغربية”.

تشير بعض التحليلات الإسرائيلية إلى أنه يمكن قراءة هذا التوتر ضمن مواجهة بين نموذجين مختلفين للنفوذ الإقليمي: الأول تمثّله الجزائر، التي تعتمد على نموذج نفوذ يتمحور حول الدولة، ويرتكز بصورة أساسية على امتدادها الجغرافي، ومواردها الطاقية، وقدراتها العسكرية، وأدواتها الدبلوماسية الرسمية. أما الثاني، فتمثّله الإمارات، التي تتبنّى نموذجاً شبكياً للنفوذ، يقوم على توظيف رأس المال، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية التجارية، إلى جانب شراكات أمنية انتقائية تمتد إلى مناطق تتجاوز نطاقها الجغرافي المباشر، وفي البيئات السياسية المجزأة، يتيح النموذج الشبكي قدرة أكبر على إنتاج النفوذ بسرعة ومرونة مقارنة بالنموذج القائم على الثقل الجغرافي التقليدي.

وبرز هذا التباين بصورة أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة، مع تنامي المصالح المتنافسة بين الجزائر والإمارات في عدد من الساحات الإقليمية، وعليه، لا ترى الجزائر المغرب وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة كجهات تتحرك في ملفات منفصلة، بل كعقد مترابطة في شبكة واحدة.

إسرائيل: عامل مضاعِف لا فاعل منفرد

يوظّف المغرب علاقته بإسرائيل والولايات المتحدة لتعزيز موقفه في ملف الصحراء، وتوسيع قدراته التقنية والأمنية، وإسرائيل تكسب مساحة نفوذ في شمال إفريقيا، والولايات المتحدة تسعى إلى تحويل “اتفاقات أبراهام” إلى بنية إقليمية قابلة للتوسع، والإمارات تسعى لحماية مجال شراكاتها التجارية والأمنية، وعلى رأسها شراكاتها مع إسرائيل، والجزائر لا تتحرك بدافع رفض التطبيع فقط، وإنما تدافع عن موقعها كقوة إقليمية تقليدية، وعن رؤيتها لنزاع الصحراء الغربية.

لذلك، فإن النظر إلى إسرائيل كعامل منفرد خارق يحجب فهم الأسباب البنيوية للأزمات، وفهم سياقات الفاعلين الآخرين، والتقاطعات المحتملة بينهم، حيث يعمل البعد الإسرائيلي هنا على مضاعفة التوتر، ونقل ملفات كانت قابلة للإدارة منفردة داخل إطار أوسع.

في الختام، وبالعودة إلى السؤال الرئيسي، هل هناك سلسلة من الأحداث المتزامنة، أم أن هناك إعادة تشكيل تدريجية لتوازنات المغرب العربي عبر شبكات جديدة من الشراكة والخصومة؟ الاستنتاج أن الأحداث ليست مجرد وقائع متزامنة، ولا يوجد أيضاً تحالف مغلق، وإنما هي خطوات تدريجية يتم تشكيلها عبر شبكة مرنة من المصالح، تجعل العلاقة المغربية الإسرائيلية جزءاً من ترتيبات أوسع، وتتقاطع ضمنها مصالح الولايات المتحدة والإمارات، وتدفع الجزائر إلى اعتبار ذلك ضغطاً على موقعها الإقليمي.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

دينا رجائي، «إسرائيل على رقعة الشطرنج المغاربية: مزيد من خلط الأوراق؟»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1082/