مقالات

البرازيل وفلسطين: بين نهجي “الجنوب العالمي” و”الحياد السلبي”

يعكس تاريخ الموقف البرازيلي تجاه القضية الفلسطينية نهجاً مستمراً للتوفيق بين البراغماتية الدبلوماسية والالتزام بالقانون الدولي والتعددية. فعلى الرغم من كونها من أبرز الدول الداعمة للحقوق الفلسطينية في أميركا الجنوبية، فإن البرازيل حافظت في الوقت نفسه على قدر من الموازنة الدبلوماسية. وباعتبارها واحدة من أكثر دول الجنوب العالمي نفوذاً، سعت البرازيل تاريخياً إلى ترسيخ مكانتها كقوة مستقلة، من خلال تعزيز الحل السلمي للنزاعات، وحق تقرير المصير، ونظام دولي أكثر شمولاً. ومن هنا، يعد دعمها لإقامة دولة فلسطينية سمة ثابتة في هذا النهج. وفي عهد الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (منذ 2023)، أصبحت مواقف البرازيل في الشأن الفلسطيني أكثر صراحة، ولا سيما بعد تصاعد حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة؛ غير أن ذلك لم يترجم بالضرورة إلى “مناصرة” عملية أكثر وضوحاً.

يمكن تتبع اهتمام البرازيل بالمسألة الفلسطينية، إلى عام 1947، عندما ترأس الدبلوماسي البرازيلي أوزفالدو أرانيا جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي اعتمدت القرار 181، الذي أوصى بتقسيم فلسطين الانتدابية. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2010، اعترفت البرازيل رسمياً بدولة فلسطين ضمن حدود عام 1967، مؤكدةً من جديد دعمها لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. ومنذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، اتخذت البرازيل إجراءات قانونية ودولية تجاه إسرائيل، شملت دعم الامتثال للتدابير المؤقتة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في قضية الإبادة الجماعية التي تقدّمت بها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، والتدخل رسمياً في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في أيلول/ سبتمبر 2025، استناداً إلى المادة 63 من النظام الأساسي للمحكمة، والمتعلّقة بتفسير اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

تاريخياً، اتسم نهج البرازيل بالتوازن الدبلوماسي؛ إذ حافظت غالباً على علاقات مع كل من إسرائيل وفلسطين، مع دعوتها إلى حل تفاوضي قائم على دولتين. ويعكس هذا الموقف تقليداً أوسع في السياسة الخارجية البرازيلية، يركّز على الاستقلالية والتعايش السلمي والانخراط متعدد الأطراف. وبدلاً من الاصطفاف غير المشروط مع الأطراف الدولية المتنافسة، سعت البرازيل إلى الحفاظ على قدرتها على التواصل مع الأطراف المختلفة عبر الانقسامات السياسية وممارسة نفوذ دبلوماسي من خلال المؤسسات الدولية.

لكن نهج “الموازنة” هذا أصبح صعباً مع تحولات المشهد في فلسطين، فبعد أشهر من عودة لولا إلى الرئاسة في كانون الثاني/ يناير 2023 اندلعت الحرب على غزة، حيث تبنّى خطاباً أكثر انتقاداً للعمليات العسكرية الإسرائيلية، مؤكداً حماية المدنيين، وإتاحة الوصول الإنساني، والامتثال للقانون الدولي الإنساني. وقد أدى تشبيهه لما تقوم به إسرائيل في غزة بالهولوكوست في شباط/ فبراير 2024 إلى أزمة دبلوماسية، دفعت إسرائيل إلى إعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، وبعد ذلك سحبت البرازيل سفيرها من إسرائيل، وإن لم تقطع العلاقات الدبلوماسية.

كان هذا التطور أقرب إلى التحول اللفظي، فقد أدخلت البرازيل في تموز/ يوليو 2024 اتفاقية التجارة الحرة بين كتلة ميركوسور التجارية لأميركا الجنوبية والسلطة الفلسطينية حيز التنفيذ لديها، بما عزّز دعمها للتنمية الاقتصادية الفلسطينية ولمقومات قيام دولة فلسطينية مستقلة. وقد تم تقديم الاتفاقية، التي ظلّت معلقة لسنوات، بوصفها إسهاماً في التنمية الاقتصادية الفلسطينية وبناء الدولة. وفي الوقت نفسه، حافظت البرازيل على علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل، ولم تعتمد عقوبات اقتصادية شاملة بل قيود اقتصادية محددة مثل إعلان البرازيل تعليق صادرات المواد الدفاعية إلى إسرائيل، وعزّزت الرقابة على منشأ السلع المستوردة في إطار اتفاقية التجارة الحرة بين كتلة ميركوسور وإسرائيل. ومع ذلك، استمرّ التبادل التجاري بين البلدين بمستويات ملحوظة، إذ بلغ 1.9 مليار دولار أمريكي في عام 2025، في حين استمرت بعض الروابط المتعلقة بالمشتريات الأمنية، ويجسّد هذا التناقض الظاهر حدود مناصرتها واستمرار أهمية الاعتبارات الاستراتيجية.

في هذا السياق، يصف تحليل الباحث غابرييل هولاند للسياسة الخارجية البرازيلية نهجها التاريخي بأنه حياد سلبي، مسلطاً الضوء على الفجوة بين التصريحات الدبلوماسية الداعمة للحقوق الفلسطينية وبين اعتماد تدابير ملموسة قادرة على ممارسة الضغط على إسرائيل، ولعلّ استنتاج هولاند مفيد لفهم موقف البرازيل الراهن؛ فعلى الرغم من أن حكومة لولا ابتعدت عن التحفظ النسبي المرتبط بالإدارات السابقة، فإن البرازيل ما تزال تعطي الأولوية للإبقاء على العلاقة مع مختلف الأطراف على حساب تبنّي تدابير قسرية لفرض القانون الدولي.

لا يمكن فصل موقف البرازيل أيضاً عن طموحاتها الأوسع داخل النظام الدولي، فمناصرتها لفلسطين مرتبطة بانتقادها التطبيق الانتقائي للقانون الدولي والقيود التي يعاني منها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وبالنسبة إلى برازيليا (عاصمة البرازيل)، لا تمثل القضية الفلسطينية مجرد نزاع إقليمي، بل اختباراً لمصداقية المؤسسات متعددة الأطراف وقدرتها على حماية السكان في ظل الاحتلال والنزاع المسلح، ويعزز هذا المنظور دعوة البرازيل الراسخة إلى إصلاح الحوكمة العالمية وتوسيع تمثيل الدول النامية.

وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن اختزال نهج البرازيل في ثنائية الحياد أو التأييد غير المشروط للقضية الفلسطينية، فهو يعكس شكلاً متطوراً من المناصرة الدبلوماسية، أصبح فيه دعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير أكثر وضوحاً، بينما ظلّت مبادئ الاستقلالية الاستراتيجية والانخراط متعدد الأطراف ثابتة، وهو ما يثير إشكالية الفجوة بين تطلع البرازيل إلى الدفاع عن القانون الدولي وإحجامها عن اعتماد تدابير قد تغيّر علاقاتها الثنائية جذرياً.

توضح تجربة البرازيل إمكانات دبلوماسية القوى المتوسطة وحدودها في آن واحد، كما ويبيّن تطور موقفها كيف يمكن لدول الجنوب العالمي استخدام النفوذ الدبلوماسي لمواجهة التقاعس الدولي من دون التخلّي عن استقلالها الاستراتيجي. وسيحدّد مدى قدرة البرازيل على تحويل خطابها المتزايد حزماً إلى عمل سياسي مستدام، وما إذا كان نهجها يمثل خروجاً حقيقياً عن الحياد السلبي، أم مجرد مزيد من الصراحة في التعبير عن التزامها الراسخ بالتعددية.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

سمر نخلة، «البرازيل وفلسطين: بين نهجي “الجنوب العالمي” و”الحياد السلبي”»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1083/