مقالات

فلسطين وكنيسة “يوحنا الخامس” في زيمبابوي: قوة ناعمة دينية؟

دينا رجائي باحثة زميلة
عرض الملف التعريفي

لم تكن زيمبابوي استثناءً، فكما حدث في باقي مناطق العالم، تكثّف حضور فلسطين أثناء حرب الإبادة على قطاع غزة، منذ عام 2023، عبر مشاهد الحرب المتداولة على شاشات الهواتف: مبانٍ مدمرة، وأطفال تحت الأنقاض. واستتبع ذلك نقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي.. هكذا عبّر بعض مواطني زيمبابوي عن انطباعاتهم عمّا يحدث في فلسطين، بعد أن أعلنت سفارة دولة فلسطين في هراري، عاصمة زيمبابوي، توقيع مذكرة تفاهم مع كنيسة يوحنا الخامس الدولية في أفريقيا في 9 أيلول/ سبتمبر 2026. بدت هذه الخطوة التي تستند أيضاً إلى إرث مشترك بين فلسطين وزيمبابوي في مواجهة الاستعمار محاولة لنقل القضية إلى فضاء مختلف تماماً؛ فضاء الكنيسة، حيث تصبح فلسطين قضية أخلاقية وروحية أيضاً إلى جانب كونها خبراً دولياً. وقد سعت السفارة الفلسطينية هناك إلى توسيع عملها ليشمل نوعاً من الدبلوماسية العامة إلى جانب الدبلوماسية الرسمية، وهذه أول مذكرة تفاهم بين سفارة دولة فلسطين وكنيسة زيمبابوية.

المذكرة… ليست البداية

تعود جذور العلاقة التي أفضت إلى هذه المذكرة بين السفارة والكنيسة إلى أكثر من عامين، ففي نيسان/ أبريل 2024 كانت بداية التواصل الرسمي، حيث زار رئيس أساقفة الكنيسة أندبي ماكورورو (Andby Makururu) السفارة الفلسطينية وأعرب عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، ثم ألقى السفير الفلسطيني تامر المصري كلمة في إحدى فعاليات الكنيسة، وفي أيار/ مايو 2025 منحت وزارة الخارجية الفلسطينية ماكورورو جائزة التضامن الفلسطينية. وبحسب السفير الفلسطيني، فإن التكريم هو الأعلى المخصص للقادة الدينيين وبأمر رئاسي، وقد منحت لشخصين فقط في أفريقيا حتى ذلك الحين.

وبحسب موقع حزب الاتحاد الوطني الإفريقي الزيمبابوي- الجبهة الوطنية (ZANU PF)، الحزب الحاكم، فإن المذكرة تهدف إلى “الانسجام الدبلوماسي مع السياسات الرسمية، وإنشاء إطار تشغيلي للتعاون المشترك داخل الكنيسة”. أما صحيفة The Herald، فقد قدمت مذكرة التفاهم في إطار أوسع من السياسة، حيث تركز على البعد الانساني والديني وترى أن ذلك يسمح بتعاون بين الكنائس الفلسطينية والزيمبابوية.

لماذا زيمبابوي؟

تعد زيمبابوي من قصص الانتصارات ضد كل من الاستعمار والتمييز العنصري، فالدولة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 18 مليون نسمة، استقلت عن بريطانيا عام 1965، وكان اسمها روديسيا الجنوبية، لكن نشأ فيها نظام عنصري تقوده الأقلية البيضاء، ما أدى لنضال انتصر فيه أهل البلاد الأصليين، وفي 18 نيسان/ إبريل 1980 أعلن الانتصار وأصبح اسم البلاد زيمبابوي. وخلال مسيرة التحرر أو ما يسمى “حرب الأدغال الروديسية”، ارتبطت منظمة التحرير الفلسطينية بعلاقات تضامن أيديولوجي وسياسي مع حركات التحرر الرئيسية في زيمبابوي، في إطار النضال المشترك ضد الاستعمار والعنصرية.

على هذه الخلفية التاريخية، وبما أن السفارة الفلسطينية تسعى للبحث عن جمهور، والكنيسة تمتلك الجمهور، والشبكات الاجتماعية والسياسية؛ تمثل زيمبابوي بيئة ملائمة لهذا النوع من الدبلوماسية، حيث تصنف هذه الكنيسة من الطائفة الرسولية (apostolic sect) وهي جزء من الكنائس الإفريقية المستقلة (AICs) التي نشأت كرد فعل على الهيمنة الاستعمارية والإرساليات المسيحية الغربية، وتشكل الطوائف الرسولية أكبر فئة دينية منفردة في البلاد، فبحسب التقرير الرسمي لتعداد السكان في زيمبابوي لعام 2022، فإن 85.3% من السكان يعرفون أنفسهم كمسيحيين، حيث تمثل الكنائس الرسولية 40.3% من السكان، والخمسينية 17%، والبروتستانتية 13.8%، وبالتالي تؤشر هذه النسب على أن الكنيسة ليست هامشاً اجتماعياً بل تمتلك بنية جماهيرية واسعة.

أما سياسياً، فللكنيسة حضور وصلات واضحة بالمجال السياسي، بسبب ارتباطها القوي بالحزب الحاكم، والرئيس إيمرسون منانغاغوا Emmerson Mnangagwa، ودعمها لرؤية 2030 والتعديلات الدستورية، كما أن لها فروعاً في دول “السادك” (مجموعة تنمية الجنوب الإفريقي). وبالتالي، فإن الدبلوماسية الفلسطينية تدخل مؤسسة معتادة بالفعل على ربط السلطة الدينية بالمسائل العامة والسياسية، ولذلك يُحتمل أن تقيم السفارة شراكة ومصلحة متبادلة مع الكنيسة.

كما تستفيد فلسطين من صلة رمزية يصعب على الدبلوماسية الرسمية امتلاكها وحدها، وهي القدس وبيت لحم والأرض المقدسة، فهي ليست رموزاً مجرّدة، بل عندما تقدّم معاناة الفلسطينيين عبر مفردات الأسرة والطفل والقداسة والسلام، تتحول القضية من نزاع بعيد في الشرق الأوسط إلى موضوع يمكن إدراجه في العظة والواجب الأخلاقي.

هذا ما يعرف بـ “القوة الناعمة الدينية” (Religious Soft Power)، وهو مفهوم يشير إلى قدرة الفاعلين (دولاً أو منظمات أو حركات) على التأثير في سلوك الآخرين وجذبهم عبر توظيف الموارد الدينية مثل المرجعيات والقيم والشبكات الدينية لتعزيز الشرعية والقبول.

ويشمل ذلك إعادة صياغة القضايا السياسية بلغة دينية مألوفة لدى الجمهور المستهدف، بهدف جعل المواقف أو السياسات أكثر جاذبية وإقناعاً. وهذا يمكن أن ينعكس إيجاباً على القضية الفلسطينية، لذلك هي تبحث عن تأييد من رموز دينية، وقناة مستدامة للوصول إلى بنية جماهيرية، وشريك محلي قادر على تحويل القضية من خطاب دبلوماسي إلى ممارسة اجتماعية، مثل خُطب كنسية أو مبادرات إنسانية.

من شاشة الهاتف إلى فضاء العبادة

بعد توقيع المذكرة، نقلت بعض التقارير انطباعات أفراد من الكنيسة عن فلسطين عامة والمذكرة خاصة، فقد قال أحدهم إن معرفته السابقة بالقضية كانت تأتي غالباً من وسائل التواصل الاجتماعي، وأن النقاشات الكنسية جعلتهم يروا فلسطين بوصفها قصة عائلات وأطفال، لا مجرد حرب بعيدة، فيما قال آخر إن فهمهم عن إسرائيل وفلسطين كان محصوراً في ضوء الكتاب المقدس قبل أن تساعدهم النقاشات الكنسية على الفصل بين التاريخ الديني والصراع السياسي المعاصر.

هذا ما تستهدفه الدبلوماسية العامة، فليس بالضرورة إقناع كل فرد بتبني برنامج سياسي تفصيلي، بل نقل القضية إلى مستوى وجداني وأخلاقي يستثير التعاطف ويعزّز التأثير. وفي هذا السياق قال السفير تامر المصري إن “إشراك الجماعات الدينية والمجتمع المدني والجامعات والحركات الثقافية جزء مقصود من استراتيجية فلسطين الأوسع للدبلوماسية العامة في أفريقيا”، حيث تحصل فلسطين على مدخل إلى مجتمع واسع وقيادة دينية موثوقة، وتحصل الكنيسة على صلات دولية وظهور إعلامي وفرصة لتوسيع حضورها خارج زيمبابوي، وهذا ما أكده ماكورورو أيضاً، إذ قال إن هذا التعاون قد يساعد في التوسع الدولي للكنيسة.

إفريقيا ساحة تنافس لا مساحة فارغة

يعد المنبر الإفريقي تربة خصبة لممارسة هذا النوع من الدبلوماسية، وهذا ما تعمل عليه إسرائيل منذ سنوات أيضاً، حيث استثمرت بالفعل في شبكات مسيحية بالقارة، وهنا أمثلة على بعض هذه الجهود:

  • استضافة وفود دينية إفريقية رفيعة المستوى: استضافت إسرائيل سابقاً وفداً يضم 30 من كبار الأساقفة والقساوسة وقادة الكنائس من عشرة دول إفريقية، بالإضافة إلى تنظيم جولات ميدانية وربطها بالأحداث الجارية مثل زيارة مواقع مرتبطة بهجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 (لا سيما موقع مهرجان سوبرنوفا في النقب).

  • دمج المسار الديني بالسياسي: تنظيم لقاءات مباشرة بين الوفود الدينية وكبار المسؤولين الإسرائيليين، بما في ذلك الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، ونائبة وزير الخارجية شارين هاسكل، لربط المصالح السياسية بالإيمان الديني.

  • الاستفادة من النفوذ الروحي للضغط السياسي: تحفيز القادة الدينيين لاستخدام تأثيرهم على مجتمعاتهم لممارسة “ضغط مضاد” على حكوماتهم، بهدف دفع هذه الحكومات لدعم إسرائيل في الساحات الدولية، وخصوصاً في الأمم المتحدة (حيث تمتلك أفريقيا 54 صوتاً، منها 30 دولة ذات أغلبية مسيحية).

  • بحسب وكالة World Israel News، أسهم حلفاء إسرائيل الأفارقة في إحباط التحركات الدبلوماسية المضادة لها في إفريقي، مثل الاعتماد على الحلفاء الأفارقة لإحباط محاولة قادتها جنوب أفريقيا والجزائر لسحب صفة المراقب من إسرائيل في الاتحاد الإفريقي.

  • التعاون مع المنظمات الداعمة: التنسيق مع منظمات دولية مثل “مؤسسة حلفاء إسرائيل” لبلورة مسار جديد يجمع القيادات الكنسية الإفريقية مع قادة في إسرائيل لتحسين صورة إسرائيل إعلامياً في القارة.

لا يعني ذلك أن كل علاقة بين كنيسة وإسرائيل تتحول تلقائياً إلى سياسة حكومية مؤيدة لها، لكن أثر هذه الخطوات قد يظهر تراكمياً، ويمكن وضع التحرك الفلسطيني في زيمبابوي ضمن سياق أوسع من التنافس على الشبكات المسيحية الإفريقية، لكن فلسطين تركز على محددات مختلفة، منها الأرض المقدسة، وروايات الاستعمار والتحرّر، وعلى البعد الإنساني والتطهير العرقي. وقد لعبت كنائس إفريقية عديدة أدوراً تاريخية في التحرّر ومناهضة الاستعمار، وهو ما يمنحها قدرة على وضع القضية الفلسطينية ضمن ذاكرة إفريقية أوسع. وهذه الذاكرة تحديداً ما استند إليه الخطاب الصادر عن الكنيسة الزيمبابوية، حين ربط الدعوة إلى الصلاة من أجل فلسطين بتاريخ القارة في النضال من أجل الحرية.

ختاماً، صحيح أن توافقاً نشأ بين السفارة والكنيسة الزيمبابوية المنتمية إلى الطيف الرسولي واسع الحضور في زيمبابوي، لكن قد تواجه هذه الدبلوماسية تحدياً بسبب التباين بين الطوائف، مما يفرض التعامل مع بنية دينية تفتقر إلى “صوت واحد”، ورغم احتمال نجاح هذه الدبلوماسية في إحداث أثر مجتمعي ومؤسسي أولي عبر استثمار الرمزية الدينية وذاكرة التحرر الإفريقية المشتركة، يظل التساؤل قائماً، ماذا لو تبدلت هذه المواقف مستقبلاً، وما التداعيات المحتملة لذلك؟

لذلك تفرض هذه الاحتمالات على الفاعل الفلسطيني الانتقال من مرحلة المذكرات البروتوكولية إلى بناء شبكات تضامن مستدامة، تحترم استقلالية الكنائس المحلية، وتربط الخطاب الإنساني ببرامج عمل ملموسة، لأن قياس فاعلية هذه الدبلوماسية الموجهة إلى المزاج العام لن يتم بعدد المذكرات، بل بقدرتها على إيصال الصوت السياسي إلى وجدان المصلي العادي، وتحويل السردية الأخلاقية من تعاطف عابر إلى فعل مؤسسي مستدام.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

دينا رجائي، «فلسطين وكنيسة “يوحنا الخامس” في زيمبابوي: قوة ناعمة دينية؟»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1085/