مقالات

هندوراس والسلفادور: سياسيون من أصول فلسطينية وحسابات السلطة والاقتصاد

في حالات كثيرة وصل سياسيون من أصول فلسطينية أو عربية إلى مواقع سياسية متقدمة في أميركا اللاتينية، وفي أكثر من حالة فاز سياسيون من أصول فلسطينية بمنصب الرئاسة في الدول التي هاجر أجدادهم إليها. لكن هذا “الميراث” لا يعني أبداً أن موقف هؤلاء السياسيين من القضية الفلسطينية ومن إسرائيل بات مضموناً؛ فهناك عوامل داخلية ودولية، واعتبارات أيديولوجية ومصالح اقتصادية وأمنية، لتلك الدول ولشبكات النخب، ترسم طبيعة المواقف الحقيقية لهؤلاء السياسيين وحكوماتهم.

توضح حالتا السلفادور وهندوراس هذا التعقيد على نحو خاص، فكلا البلدين يضم جالية كبيرة من الشتات الفلسطيني ونخباً سياسية من أصول فلسطينية، إلا أن علاقاتهما بإسرائيل ومواقفهما من فلسطين اختلفت تبعاً لتبدّل المصالح السياسية الداخلية والاصطفافات الدولية. وتكشف رئاستا نجيب بقيلة للسفادور (2019- حتى الآن) ونصري عصفورة لهندوراس (كانون الثاني/ يناير 2026- حتى الآن) الكثير من هذا التعقيد، لأن كليهما من أصول فلسطينية، لكن كلاهما يسعى إلى تعزيز علاقاته السياسية مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. وتثير حالتا الرجلين سؤالاً حول مدى تأثير الأصل الفلسطيني في السياسة الخارجية، خصوصاً في مواجهة اعتبارات السلطة السياسية الداخلية والمصالح الاقتصادية والاصطفافات الجيوسياسية الأوسع.

بدأت الهجرة الفلسطينية إلى أميركا الوسطى في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، خلال عهد الإمبراطورية العثمانية. ويعيش اليوم في أميركا اللاتينية نحو 700 ألف شخص من أصول فلسطينية. وتضم هندوراس ثاني أكبر جالية فلسطينية خارج الشرق الأوسط بعد تشيلي، إذ يبلغ عدد الفلسطينيين فيها نحو 300 ألف نسمة ضمن بلد يناهز عدد سكانه 11 مليوناً. كما تضم السلفادور عدداً كبيراً من السكان الفلسطينيين، يقارب 100 ألف من أصل 6.4 ملايين نسمة. ولا تقتصر أهمية هذه الجاليات على أعدادها، بل تمتد إلى نفوذها الاقتصادي والسياسي؛ فمن الناحية الاقتصادية، لم تنافس هذه الجاليات بشكل مباشر النخب المالية الراسخة، بل دخلت قطاعات مثل تجارة التجزئة والتصنيع والخدمات المصرفية. أما سياسياً، ففي كل من السلفادور وهندوراس، وعلى الرغم من أن الشخصيات السياسية المنحدرة من أصول فلسطينية لا تميل جميعها إلى اليمين، فإن السلفادور انتخبت رئيسين من أصول فلسطينية ينتميان إلى اليمين، وهما أنطونيو سقا عام 2004، ثم نجيب بقيلة. وغالباً ما اتسم الشتات الفلسطيني في هندوراس بالمحافظة؛ فعلى سبيل المثال، أصبح كارلوس فلوريس فقوسة عام 1998 أول رئيس من أصول فلسطينية، وأول شخص من هذه الأصول يقود دولة في أميركا اللاتينية. ومنذ ذلك الحين، سعى كثير من الفلسطينيين إلى تولّي مناصب حكومية رفيعة، إلا أن أحداً منهم لم يخرج عن سياسات البلاد الخارجية المؤيدة لإسرائيل.

يجسّد بقيلة وعصفورة الصلة الوثيقة بين النخب السياسية والمصالح الاقتصادية والعلاقات مع الولايات المتحدة في أميركا الوسطى. ففي كل من السلفادور وهندوراس، تعمل النخب السياسية ضمن اقتصادين مندمجين بعمق مع الولايات المتحدة، وللمصالح التجارية أثر سياسي كبير، خصوصاً لدى النخب التي تتركز بيدها الثروة والموارد الاقتصادية. ووفقاً للجنة الاقتصادية لأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، في تقريرها السنوي (المشهد الاجتماعي لأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي 2025)، يُسلَّط الضوء على تركّز الدخل، مع التأكيد على أنه لا يزال بالغ الشدة في أميركا اللاتينية؛ إذ يحصل أغنى 10% على 34.2% من إجمالي الدخل، بينما لا يحصل أفقر 10% إلا على 1.7%. ويقدّم تقرير اللامساواة العالمي لعام 2026 منظوراً عالمياً مكمّلاً، إذ تشير تقديراته لعام 2025 إلى أن أغنى 10% من السكان يحصلون على نحو 57% من إجمالي الدخل في أميركا اللاتينية، مقارنةً بـ 36% في أوروبا، و48% في شرق آسيا، و46% في أميركا الشمالية وأوقيانوسيا. وتختلف هذه التقديرات عن بيانات اللجنة الاقتصادية لأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (سيبال-CEPAL) المستندة إلى مسوح الأسر، نظراً إلى أن مختبر اللامساواة العالمي يُعدّل بياناته بالاستناد إلى السجلات الضريبية والحسابات القومية. وعلى الرغم من أن هذه التقديرات لا يمكن مقارنتها بصورة مباشرة، فإن كلا المصدرين يُظهر استمرار التفاوت الكبير في توزيع الدخل وتركّزه في أميركا اللاتينية.

لا يبيّن ذلك التفاوت الاقتصادي في المنطقة فحسب، بل يكشف أيضاً التوزيع غير المتكافئ للموارد، وربما للنفوذ السياسي. ويتأكد هذا أكثر في تقرير أوكسفام (مقاومة حكم الأثرياء: حماية الحرية من سلطة المليارديرات)، الذي صدر بالتزامن مع افتتاح المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (كانون الثاني/ يناير 2026)، ويحلل كيف يرسّخ فاحشو الثراء سلطتهم السياسية لتشكيل السياسات الاقتصادية والاجتماعية بما يخدم مصالحهم. وفي هذا السياق الأوسع، تزامن صعود الحركات السياسية المحافظة واليمينية في أجزاء من أميركا اللاتينية، مع سعي الحكومات إلى توثيق علاقاتها السياسية والاستراتيجية بواشنطن، وهو ما قد يشكل سياقاً مساعداً لفهم تعزيز الروابط مع إسرائيل، من دون أن يثبت علاقة سببية مباشرة.

يُعدّ نجيب بقيلة في السلفادور مثالاً كاشفاًَ على أن الأصل الفلسطيني لا يتحول بالضرورة إلى سياسة خارجية مؤيدة لفلسطين. وبصفته حفيداً لمسيحيين فلسطينيين من بيت لحم والقدس، تشير المصادر التي تتناول الجالية الفلسطينية في السلفادور إلى أن قربه من الإرث الفلسطيني يرتبط أكثر بالتراث الثقافي والمطبخ الفلسطينيين منه بخطاب قومي فلسطيني. وتعكس خلفيته النفوذ الراسخ والأهمية الاقتصادية للشتات الفلسطيني في السلفادور، إلا أن توجهه السياسي شدّد على الأمن والسلطة التنفيذية والاستثمار الاقتصادي والعلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة بدلاً من التضامن مع فلسطين، بما ينسجم مع علاقة البلاد الوثيقة بإسرائيل التي ترسخت خلال الحرب الأهلية (1980-1992)، حين جاءت 83% من واردات الحكومة من الأسلحة من إسرائيل. وكان هذا التوجه واضحاً حتى قبل توليه الرئاسة؛ ففي عام 2018، عندما كان عمدة سان سلفادور، عاصمة البلاد، زار بقيلة إسرائيل لحضور المؤتمر الدولي السنوي الثاني والثلاثين لرؤساء البلديات، حيث أكد أوجه التشابه بين البلدين. وخلال رئاسته، حافظت السلفادور على علاقة إيجابية مع إسرائيل، بما في ذلك جهود جذب الاستثمارات الإسرائيلية.

ويمكن ملاحظة نمط مماثل في هندوراس، فقد فاز عصفورة، وهو من أصول فلسطينية، بالانتخابات وأدى اليمين رئيساً في 27 كانون الثاني/ يناير 2026، بعدما أعلنت السلطات الانتخابية فوزه في كانون الأول/ ديسمبر 2025. وعلى الرغم من أصوله، انخرط عصفورة بنشاط مع القيادة الإسرائيلية، وأعطى الأولوية لتعزيز علاقات هندوراس بإسرائيل. وكان أول عمل رسمي له بعد تنصيبه قبول أوراق اعتماد سفير إسرائيل لدى هندوراس، نداف غورين. وجاء ذلك بعد أيام من زيارة عصفورة لإسرائيل في 18 كانون الثاني/ يناير 2026، حيث التقى بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، وإسحاق هرتسوغ، رئيس إسرائيل، وجدعون ساعر، وزير الخارجية، وناقش خلال اللقاءات تعزيز التعاون الاقتصادي والدبلوماسي. كما أعرب عن اهتمام خاص بالتعرف إلى صناعة التكنولوجيا الزراعية الإسرائيلية، التي كان يأمل في الاستفادة منها لتطوير القطاع الزراعي في هندوراس. وظهر توجهه مؤيداً لواشنطن كذلك خلال حملة انتخابات عام 2025، حين أيّد دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، ترشحه، وبعد فوزه شدّد ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي، على التعاون معه في مجالي التجارة والأمن.

تُظهر حالتا السلفادور وهندوراس معاً أن الإرث الفلسطيني لا يتحول بالضرورة إلى تضامن سياسي مع فلسطين. ففي السلفادور، أفاد تحقيق أجرته صحيفة إل باييس عام 2026 بأن الأصول المالية المعلنة لبقيلة ارتفعت من نحو 965 ألف دولار عام 2012 إلى 4.47 ملايين دولار عام 2026، بالتوازي مع زيادات كبيرة في ثروات عدد من المسؤولين في دائرته السياسية. وفي هندوراس، أنشأت إدارة عصفورة صندوقاً ائتمانياً للرعاية الصحية بقيمة 500 مليون لمبيرة (نحو 18.7 مليون دولار)، وخفّضت أعداد الموظفين في 113 مؤسسة، واعتمدت سياسات تصب في مصلحة قطاع الصناعات الزراعية، ما أدى إلى إخلاء ثلاث جماعات محلية. وتوضح هذه التطورات كيف تتقاطع السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية داخل الحكومتين. وتوفّر هذه المعطيات سياقاً لفهم بنية المصالح التي يتحرك فيها الرئيسان، إلى جانب الاعتبارات الأمنية والتحالفات الدولية. ولذلك، يمكن فهم توجهيهما في السياسة الخارجية تجاه فلسطين وإسرائيل بصورة أفضل من خلال الديناميات الأوسع للسلطة السياسية الداخلية، والمصالح الاقتصادية، والأولويات الأمنية، والتحالفات الدولية، لا من خلال الإرث الفلسطيني وحده.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

سمر نخلة، «هندوراس والسلفادور: سياسيون من أصول فلسطينية وحسابات السلطة والاقتصاد»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1086/