مقالات

بين غزة وفلسطين: تباين مقاربات أميركا الشمالية في الجمعية العامة للأمم المتحدة

تالا غنايم باحثة زميلة
عرض الملف التعريفي

في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تحدثت الولايات المتحدة وكندا والمكسيك جميعها عن السلام في فلسطين. لكن كلماتها واجتماعاتها على هامش الدورة كشفت عن توتر متزايد بين سياسات كندا والمكسيك والولايات المتحدة الأميركية، بل يبدو أن فلسطين أصبحت جزءاً من ملفات خلافات كندية- أميركية. تركيز واشنطن على إدارة غزة من خلال “مجلس السلام”، لا يقابله انخراط كندي أو مكسيكي مماثل، إذ تركز كندا والمكسيك موقفيهما على الجهود الرامية إلى الحفاظ على حل الدولتين في ظل التوسع الاستيطاني الذي يجزّئ الضفة الغربية.

الولايات المتحدة: سياسة غزة أولاً، والدولة الفلسطينية لاحقاً

في كلمته أمام المناقشة العامة في 22 أيلول/ سبتمبر 2026، قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب غزة بوصفها نجاحاً للدبلوماسية الأميركية. ونسب إلى إدارته الفضل في إنهاء الحرب وضمان عودة الرهائن، وشكر مجلس الأمن على تأييد خطته ذات النقاط العشرين و”مجلس السلام”.

خلال أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، اقترح مسؤولو المجلس برنامجاً أولياً لتعافي غزة على مدى ستة أشهر، بقيمة 2.45 مليار دولار أميركي، لكن من دون تحديد جدول زمني للتنفيذ. ومن اللافت أن ترامب لم يذكر فلسطين ولو مرة واحدة في كلمته، إذ تناول غزة بمعزل عن القضية الفلسطينية الأوسع. وبالمثل، تترك خطة إدارته قيام الدولة الفلسطينية بوصفه نتيجة محتملة تأتي بعد إصلاح السلطة الفلسطينية وإعادة إعمار غزة، بدلاً من اعتباره التزاماً موجِّهاً لما يُسمّى “خطة السلام”. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة المقاربة الأميركية باعتبارها تركز على إدارة تداعيات الاحتلال الإسرائيلي، بينما تترك الاحتلال نفسه وحقوق الفلسطينيين في تقرير المصير من دون حل.

مساعي كندا للحفاظ على حل الدولتين

شاركت كندا، إلى جانب فرنسا والمملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية، في استضافة فعالية على مستوى القادة للدفع قدماً بحل الدولتين، يوم 22 أيلول/ سبتمبر 2026، بعنوان “الطريق إلى الأمام”. وهي فعالية تبنّي على إعلان نيويورك لعام 2025 الذي صدر في سياق السعي لإنهاء حرب غزة آنذاك. كما أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن تقديم مساعدات إضافية للفلسطينيين بقيمة 100 مليون دولار كندي، مخصصة للمساعدات الإنسانية وجهود بناء القدرات في مجالي السلام والأمن.

وفي وقت لاحق، أكدت مجدداً وزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند حق الفلسطينيين في تقرير المصير وحل الدولتين القائم على التفاوض، في كلمة كندا أمام المناقشة العامة. وتستند هذه الجهود إلى اعتراف كندا بدولة فلسطين خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل عام.

في آب/أغسطس الفائت، انضمت كندا إلى حكومات أوروبية في إدانة مناقصات البناء الإسرائيلية لمشروع “E1″، وهو مشروع استيطاني غير قانوني شرق القدس من شأنه أن يضرب التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وحذّرت الشركات من التقدم بعطاءات. وفي أيلول/ سبتمبر الفائت، تعهّدت كندا وفرنسا والمملكة المتحدة بالسعي إلى فرض قيود على السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية.

في الواقع، يمكن القول إن فلسطين أصبحت جزءاً من التوتر المتزايد بين كندا وواشنطن. ففي العام الماضي، حذّر ترامب من أن اعتراف كندا المزمع بفلسطين سيجعل التوصل إلى اتفاق تجاري معها “صعباً للغاية”. ثم اتسع التوتر لاحقاً إلى ملفات أوسع؛ إذ سحب ترامب دعوة كندا إلى “مجلس السلام” عقب تصريحات كارني في المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث صرّح بأن النظام القائم على القواعد تعرّض لـ “قطيعة، لا لمرحلة انتقالية”، وحثّ القوى المتوسطة على بناء تحالفات بحسب كل قضية، بدلاً من الاعتماد على رعاية قوة كبرى واحدة.

موقع المكسيك في النقاش

أكدت المكسيك كذلك في كلمتها أمام المناقشة العامة اعترافها بفلسطين ودعمها لحل الدولتين، في إطار دفاع أوسع عن السيادة والقانون الدولي والأمم المتحدة. كما شاركت المكسيك في اجتماع التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين في 24 أيلول/سبتمبر، حيث دعا نائب وزير الخارجية إنريكي أوتشوا إلى إتاحة وصول المساعدات الإنسانية، وأيّد إعلان نيويورك بوصفه أساساً للسلام بتوجيه من الأمم المتحدة.

وفي وقت سابق من هذا العام، رفضت الرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم انضمام المكسيك إلى “مجلس السلام” كدولة عضو، مستندة إلى النظام القانوني المكسيكي ومبادئ السياسة الخارجية، ومشددة على ضرورة مشاركة إسرائيل وفلسطين في أي مبادرة للحل. لكن سفير المكسيك لدى الأمم المتحدة حضر بدلاً من ذلك الاجتماع الافتتاحي للمجلس بصفة مراقب. وهكذا، أبقت المكسيك باب التواصل مع المسار الأميركي مفتوحاً من موقع المراقب، مع الدعوة إلى مشاركة فلسطينية أكبر.

الفجوة بين الدبلوماسية والسياسات

يتمثل الاختبار الآن فيما إذا كانت الحكومات ستترجم هذه المواقف إلى سياسات مستدامة تصون القانون الدولي وتُخضع إسرائيل للمساءلة. ويمنح حجم الدعم العسكري والدبلوماسي الأميركي لإسرائيل السياسة الأميركية وزناً خاصاً، ومن دون تغيير في تلك العلاقة، قد يظلّ الدعم الدولي الأوسع لقيام دولة فلسطينية محدود الأثر.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

تالا غنايم، «بين غزة وفلسطين: تباين مقاربات أميركا الشمالية في الجمعية العامة للأمم المتحدة»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1087/