مقالات

قراءة في موقف الاتحاد الأوروبي من “مجلس السلام”

أثار إنشاء “مجلس السلام”، بمبادرة ومتابعة أميركية من أجل قطاع غزة، جدلاً حول مستقبل إدارة القطاع، وإعادة إعماره، والجهة المخولة بالإشراف على المرحلة المقبلة. ومن بين أهم الفاعلين الدوليين في هذا السياق يبرز الاتحاد الأوروبي، الذي يواجه تحدياً يتمثل في الموازنة بين دعم الجهود الساعية إلى إنهاء الحرب، ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

يطرح انخراط الاتحاد الأوروبي في ترتيبات العمل المرتبطة بـ “مجلس السلام”، ومشاركة المفوضية الأوروبية في اجتماعه الأول بصفة مراقب، رغم التحفظات التي أبداها بشأن نطاق اختصاصاته، تساؤلات حول الدوافع السياسية التي تحكم هذا التوجه، ما يسلط الضوء على سؤال محوري، وهو إلى أي مدى تعكس هذه المشاركة محاولةً للحفاظ على النفوذ الأوروبي في ترتيبات إدارة غزة، في ظل القيادة الأميركية للمجلس والانقسامات بين الدول الأعضاء بشأن طبيعة المجلس ونطاق اختصاصه؟

ويسعى الاتحاد إلى الحفاظ على حضوره في إدارة غزة، وتجنّب تهميش دوره في مسار تتولى الولايات المتحدة قيادته، لا سيما في ظل ما يمتلكه من أدوات مالية ودبلوماسية وقدرات مرتبطة بإعادة الإعمار ودعم المؤسسات الفلسطينية. ويمكن قراءة المشاركة بصفة مراقب بوصفها محاولة للتأثير في مسارات العمل المرتبطة بالمجلس من الداخل، والحد من اتساع الفجوة بين المواقف الأوروبية والترتيبات التي تقودها الولايات المتحدة.

ماهية “مجلس السلام”؟

تبلورت صيغة “مجلس السلام” أولاً ضمن الترتيبات المرتبطة بإنهاء الحرب في قطاع غزة وإدارة المرحلة اللاحقة لها، إذ رحب قرار مجلس الأمن رقم 2803، الصادر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، بإنشاء المجلس بوصفه إدارة انتقالية لغزة، ثم تم الإعلان في 22 كانون الثاني/ يناير 2026، في سياق التحركات الأميركية، عن ميثاق المجلس بصيغة أوسع بوصفه منظمة دولية. وتمثلت الأهداف المعلنة للمبادرة في دعم الاستقرار، والإشراف على جهود إعادة الإعمار، وتنسيق العمل الدولي بشأن مستقبل القطاع.

وفي المقابل، انتقدت مؤسسات فلسطينية وحقوقية هذه الصيغة، حيث ترى فيها هيئة رقابية مفروضة من الولايات المتحدة تتيح لها التحكم في مصير القطاع وتكوينه السياسي. كما تذهب قراءات فلسطينية أخرى إلى أن المجلس يؤسس تحولاً بنيوياً يمكنه من السيطرة على إدارة غزة من دون حياد أو التزام بالقانون الدولي، بالشكل الذي يجعله، وفق هذه القراءة، نسخة من سلطة انتداب حديثة تنتهك حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

وقد أثار ذلك جدلاً حول مدى انسجام المجلس مع دور الأمم المتحدة، لا سيما مع غياب التمثيل الفلسطيني في عضوية المجلس نفسه، رغم وجود لجنة تكنوقراط فلسطينية ضمن ترتيبات إدارة غزة، وذلك في سياق اعتراف عدد من دول الاتحاد الأوروبي بالدولة الفلسطينية.

موقف الاتحاد الأوروبي

أبدى الاتحاد الأوروبي تأييده لمجلس السلام بالصيغة التي وردت في قرار مجلس الأمن 2803 قبل الإعلان عن ميثاقه الأوسع في كانون الثاني/ يناير 2026، وقد عبّر عن ذلك في بيان للمجلس الأوروبي في كانون الأول/ ديسمبر 2025، ورد فيه: “يرحب المجلس الأوروبي باعتماد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803 بشأن إنشاء مجلس السلام وقوة استقرار دولية مؤقتة، كما هو موضح في الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة، ويدعو جميع الأطراف إلى تنفيذ القرار بكامله، وبما يتماشى مع المبادئ السياسية والقانونية الدولية ذات الصلة”.

لكن بعد الإعلان عن ميثاق المجلس بصيغته الأوسع، أعلن المجلس الأوروبي عن تحفظات حيال الدور المنوط بـ “مجلس السلام”، عبّر عنها رئيسه أنطونيو كوستا، حيث صرح بأن: “لدينا شكوك جدية حول عدد من العناصر الواردة في ميثاق مجلس السلام والمتعلقة بنطاقه وحوكمته وتوافقه مع ميثاق الأمم المتحدة”. أما على المستوى العملي، فقد أثار قرار مشاركة المفوضية الأوروبية بصفة مراقب في الاجتماع الأول لـ “مجلس السلام” اعتراضات داخل البرلمان الأوروبي. ففي سؤال مكتوب منشور على موقع البرلمان، أُثيرت تساؤلات بشأن الأساس القانوني للمشاركة، ومدى وجود تفويض أو تشاور مؤسسي كافٍ بشأنها. وبذلك، فإن هذه الوثيقة تعكس اعتراضاً برلمانياً على القرار، ولا تمثّل في حد ذاتها موقفاً مؤسسياً صادراً عن البرلمان الأوروبي ككل.

طبيعة دور الاتحاد الأوروبي في “مجلس السلام”

بحث مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، خلال اجتماع في 29 كانون الثاني/ يناير 2026، الدور المحتمل للاتحاد في إطار “مجلس السلام”، وأعرب الوزراء عن استعدادهم للعمل مع الولايات المتحدة، على أن يضطلع المجلس بمهمته بصفته إدارة انتقالية وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2803. ويعكس ذلك اهتمام الاتحاد الأوروبي بالترتيبات المؤسسية والسياسية المرتبطة بالمرحلة الانتقالية في غزة، ودوره المحتمل في دعم تنفيذ الإجراءات ذات الصلة.

وقد شاركت المفوضية الأوروبية في الاجتماع الأول لـ “مجلس السلام” في واشنطن بتاريخ 19 شباط/ فبراير 2026، ممثلةً بمفوضة الاتحاد لشؤون المتوسط دوبرافكا شويتسا، التي أعلنت خلال الاجتماع عن المشاركة بصفة مراقب، وهو ما لا يعني انضمام الاتحاد الأوروبي إلى المجلس بصفته عضواً.

كما ناقش الاتحاد الأوروبي مع نيكولاي ملادينوف، خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية بتاريخ 23 شباط/ فبراير 2026، الخطوات التالية لتنفيذ خطة غزة ودور “مجلس السلام” في هذا الإطار، وشهد الاجتماع بحث المسارات المحتملة لانخراط الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك ما يتعلق بترتيبات الحوكمة والأمن، مع التذكير بالتحفظات التي أبداها الاتحاد الأوروبي بشأن ميثاق المجلس.

من ناحية ثانية، دعم الاتحاد الأوروبي إنشاء قوة دولية مؤقتة في غزة، ونزع سلاح حركة حماس والفصائل المسلحة بصورة دائمة. كما أكد الاتحاد الأوروبي التزامه بالمساهمة في تنفيذ الخطة، من خلال تعزيز ولاية بعثته للمساعدة الحدودية في معبر رفح، وبعثة الشرطة التابعة للاتحاد الأوروبي في الأراضي الفلسطينية، والمشاركة في مركز التنسيق المدني العسكري.

كما اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات فعلية أخرى ضمن الإطار الأوسع لتنفيذ خطة غزة وقرار مجلس الأمن 2803، من خلال خطة “مبادرة فريق غزة” (Team Gaza Initiative) بخصوص إعادة الإعمار في قطاع غزة. وأعلن الاتحاد الأوروبي عن المبادرة بتاريخ 9 تموز/ يوليو 2026، بقيمة 883.6 مليون يورو، وربطها بخطة غزة وقرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي رحب بإنشاء “مجلس السلام” بوصفه إدارة انتقالية لغزة.

تباين مواقف الدول الأعضاء

تبرز مسألة التباين بين دول الاتحاد الأوروبي نفسها فيما يتعلق بالمشاركة الفعلية في “مجلس السلام”؛ فقد أشار موجز بحثي صادر عن خدمة الأبحاث في البرلمان الأوروبي بتاريخ 3 تموز/ يوليو 2026 إلى مشاركة دولتين من دول الاتحاد بعضوية كاملة في المجلس، هما المجر وبلغاريا، مع الإشارة إلى أن الوضع النهائي لبلغاريا لم يكن مؤكداً بصورة نهائية وقت صدور الموجز. كما حضرت دول من الاتحاد الأوروبي الاجتماع الأول بصفة مراقب، وهي: النمسا، وكرواتيا، وقبرص، وجمهورية التشيك، وفنلندا، وألمانيا، واليونان، وإيطاليا، وهولندا، وبولندا، ورومانيا، وسلوفاكيا. ويكشف هذا التباين غياب موقف أوروبي موحد بشأن المشاركة في المجلس، إلى جانب خلاف مؤسسي حول حدود صلاحيات المؤسسات الأوروبية في هذا النوع من الانخراط.

في المقابل، برز الموقفان الإسباني والفرنسي من الاجتماع الأول لـ “مجلس السلام”، حيث اعتبرت إسبانيا أن حضور مفوضة شؤون المتوسط للاتحاد الأوروبي خطأ جسيم لا يتماشى مع موقف الاتحاد الأوروبي الذي يدعو إلى حل الدولتين. كما أعلنت فرنسا أن المفوضة لم تحصل على تفويض من مجلس الاتحاد الأوروبي للمشاركة في الاجتماع، بالإضافة إلى تحفظها على نطاق اختصاص “مجلس السلام”، حيث أوردت وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية: “وما دام هناك غموض بشأن نطاق اختصاص المجلس، فإن فرنسا لا تستطيع المشاركة فيه، بكل بساطة”.

حدود التأثير الأوروبي

تكشف مواقف الاتحاد الأوروبي من “مجلس السلام” عن معضلة تتجاوز التباين بين الخطاب السياسي والممارسة العملية، لتتصل بحدود قدرته على التأثير في ترتيبات إدارة غزة في ظل القيادة الأميركية للمجلس، فعلى الرغم من التحفظات الأوروبية، يمكن قراءة استمرار الانخراط في ترتيبات العمل المرتبطة بالمجلس باعتباره تعبيراً عن حرص الاتحاد على الحفاظ على حضوره في المرحلة الانتقالية وتجنب تهميش دوره.

غير أن حجم ونوع المساهمة لا يشكلان في حد ذاتهما دليلاً على امتلاك نفوذ سياسي موازٍ ما لم يقترنا بقدرة فعلية على التأثير. وفي هذا السياق تبرز مسألة استقلالية الاتحاد الأوروبي، إذ لا يقتصر التحدي على اختلاف مواقف الدول الأعضاء بشأن المشاركة في المجلس، بل يمتد إلى قدرة الاتحاد على بلورة موقف موحد يتحول إلى أدوات ضغط دبلوماسية ومالية. وبالتالي، فإن استمرار الانخراط، من دون شروط سياسية واضحة، أو قدرة فعلية على تحويل التمويل والحضور المؤسسي إلى تأثير سياسي، قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين المواقف الأوروبية المعلنة وبين الدور الأوروبي الفعلي داخل ترتيبات تقودها الولايات المتحدة.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

بهاء غسان، «قراءة في موقف الاتحاد الأوروبي من “مجلس السلام”»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1095/