مقالات

كيف تدخل إسرائيل في منطقة القرن الإفريقي؟

دينا رجائي باحثة زميلة
عرض الملف التعريفي

لماذا تتسابق إسرائيل للسيطرة على القرن الإفريقي؟ ولماذا تحتاج إلى قاعدة في “أرض الصومال”؟ بهذا السؤال المباشر لخص وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، في مقابلة مع موقع “ميدل إيست آي” نُشرت في 12 أيلول/ سبتمبر 2026، قراءة بلاده لما يجري في محيطها. والأهم أن صالح أدرج إسرائيل في صلب خلاف بلاده مع الإمارات، قائلاً إن الإمارات وإسرائيل التقتا بالفعل في “أرض الصومال”، وإن التقاء مماثلاً يتشكّل حول إثيوبيا، وإن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يتبنى ما وصفه بـ “استراتيجية المياهين”، في إشارة إلى سعي إثيوبيا إلى الاستفادة من نهر النيل والبحر الأحمر، في تشبيه عقده صالح مع ما وصفه بالرؤية التوسعية الإسرائيلية، من نهر الأردن وصولاً إلى البحر، بما يشمل قطاع غزة.

إسرائيل و”أرض الصومال”

تعد إسرائيل أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسمياً بجمهورية “أرض الصومال” كدولة مستقلة في كانون الأول/ ديسمبر 2025، ويمكن قراءة هذا الاعتراف في سياق المصالح الأمنية الإسرائيلية في البحر الأحمر وباب المندب، ولا سيما مراقبة التهديد الحوثي الذي عطل حركة الشحن إلى ميناء إيلات وأجبر السفن على الالتفاف حول إفريقيا.

ووفقاً لتقارير متعددة، فقد تم طرح احتمال إقامة قاعدة عسكرية أو منشآت استخباراتية إسرائيلية على الساحل المطل على خليج عدن، خاصة قرب ميناء بربرة، أحد أهم الموانئ والمراكز التجارية في “أرض الصومال”، لكن مسؤولي “أرض الصومال” نفوا وجود مفاوضات أو اتفاق معلن على إقامة قاعدة، مع إقرارهم بوجود تعاون أمني وتدريب إسرائيلي. وكان وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد أكد أن إسرائيل و”أرض الصومال” تتعاونان سراً منذ سنوات.

إسرائيل وإثيوبيا

تتقاطع هذه التحركات مع طموحات إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري، حيث دعمت إسرائيل علناً مساعي إثيوبيا لتأمين منفذ إلى البحر الأحمر، معتبرة ذلك عاملاً مرتبطاً بالاستقرار الاقتصادي والأمني في المنطقة.

وكانت مذكرة التفاهم الإثيوبية- الصوماليلاندية عام 2024 قد تضمنت تمكين إثيوبيا، الدولة الحبيسة، من استخدام ميناء بربرة للأغراض التجارية، إلى جانب ترتيبات بحرية في لوغهايا، مقابل الاعتراف بـ “أرض الصومال” دولة ذات سيادة، لكن تنفيذ المذكرة تعثر لاحقاً، فيما فتح إعلان أنقرة بين إثيوبيا والصومال في كانون الأول/ ديسمبر 2024 مساراً موازياً يقوم على البحث عن وصول إثيوبي إلى البحر ضمن ترتيبات تحترم سيادة الصومال. ويقرأ وزير الخارجية الإريتري هذه المساعي ضمن ما وصفه بـ “استراتيجية المياهين”، التي شبّهها بالرؤية الإسرائيلية التوسعية، وهو ما يفتح المجال أمام تقاطع أكبر للمصالح بين إسرائيل وإثيوبيا في الملفات الإقليمية.

النفوذ الإماراتي وتوظيف الاقتصاد لغايات أمنية

وفي سياق تصريحات الوزير الإريتري عن هذه التوسعات، وصف التوسع الإماراتي في إدارة الموانئ بالمنطقة بـ “إمبريالية الموانئ”، بما فيها “أرض الصومال”، متسائلاً: “تمتلك الإمارات مرافق موانئ في كل مكان بالمنطقة، وعلى الدول الإفريقية أن تتساءل عن السبب، هل الأمر يتعلق بالاقتصاد فقط؟ لا”. فالتحذير الإريتري لا يقتصر على القواعد العسكرية فقط، بل يمتد ليشمل النفوذ الاقتصادي ذي الأبعاد الاستراتيجية أيضاً، حيث لا يمكن عزل مصالح الموانئ عن الحسابات الأمنية في القرن الإفريقي.

وقال مسؤول إريتري كبير إن إريتريا رفضت نحو عام 2016 طلباً إماراتياً بإقامة قاعدة عسكرية في أرخبيل دهلك، وهو مجموعة جزر استراتيجية تقع في البحر الأحمر قبالة ساحل إريتريا، على أن تكون مشتركة بين الإمارات وإسرائيل، أي قبل توقيع “اتفاقات أبراهام” بين الأخيرتين بسنوات. وجاء ذلك مع أن إريتريا كانت قد سمحت للإمارات باستخدام قاعدة عصب خلال حرب اليمن، فيما تعلق الرفض بالمقترح المنفصل الخاص بدهلك. وأضاف صالح أن بلاده حسمت خيارها لاحقاً: “قررنا أننا لا نريد سفارتهم الإسرائيلية هنا، لسنا في عداء مع إسرائيل، لكننا قررنا ألا تكون لنا أي علاقات معها”.

كيف تتقاطع أجندات إسرائيل والإمارات وإثيوبيا؟

الخيط الإسرائيلي هو ما يمنح هذا التوسع معنى إضافياً؛ فمن خلال “أرض الصومال”، حيث تتقاطع المصالح الإماراتية، ومع تقاطع المصالح بين إسرائيل وإثيوبيا، يتضح مشهد يقوم على ممر بحري لإثيوبيا، واعتراف بـ “أرض الصومال”، وموانئ تديرها شبكة حليفة، وحضور إسرائيلي أمني ودبلوماسي متنامٍ قرب أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم.

يتضح مما سبق أنه يمكن قراءة المسعى الإسرائيلي في القرن الإفريقي بوصفه محاولة لتوسيع النفوذ في البحر الأحمر وباب المندب. وفي حال إقامة قاعدة استخباراتية أو عسكرية في “أرض الصومال”، فقد تمنح إسرائيل قدرة أكبر على الرصد الاستخباراتي والإنذار والعمليات تجاه الحوثيين والتهديدات المرتبطة بالبحر الأحمر، دون الحاجة إلى عمليات بعيدة ومعقدة، وقد ينعكس ذلك على قدرتها على التعامل مع جبهات قتال متزامنة، كما حدث بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وهكذا، قد يتحول الحضور الإسرائيلي المتنامي هناك إلى أداة استراتيجية تعزز قدرة إسرائيل على مراقبة التحركات المرتبطة بالحوثيين والفصائل المدعومة من إيران والاستجابة لها من مسافة أقرب.

طريقة الاستشهاد بالمادة صيغة مرجعية جاهزة للنسخ

دينا رجائي، «كيف تدخل إسرائيل في منطقة القرن الإفريقي؟»، مركز قرار لأبحاث الشأن العام، 2026. https://qararcenter.org/publication/1096/